أعلنت إدارة أوباما عن "استراتيجية الأمن القومي" وهي الوثيقة الأهم التي ترسم السياسة الأميركية وتضع تصوراً حول تقييم واشنطن للتهديدات والاستراتيجيات الجديدة التي ستتعاطى بها الإدارة الأميركية للأربع سنوات المقبلة. وبدت من الخطوط العامة التي أعلن عنها تغييرات جذرية عن الخطوط العامة لاستراتيجية إدارة بوش التي كانت قد ركزت على مبدأ الحرب الاستباقية والحرب على الإرهاب بشكل عام دون تحديد ماهية أو شكل هذا الإرهاب من الفاعلين الدوليين دولة كان أم تنظيماً أم شخصاً. لقد أعادت الاستراتيجية الجديدة الدبلوماسية لتلعب دوراً رئيسيّاً في السياسة الخارجية الأميركية وتراجع مبدأ الحرب الاستباقية كاستراتيجية أمنية. وفي الوقت الذي ترمي الأزمة الاقتصادية العالمية بظلالها على الاقتصاد الأميركي كان التركيز على إعادة تنظيم الأوضاع المالية للولايات المتحدة والعمل على تعزيز رفاهية الأميركيين، وتحقيق نمو اقتصادي متوازن ومستدام. كما قلصت الاستراتيجية من سياسة الحرب على "الإرهاب" على اعتبار أن الإرهاب ليس التهديد الوحيد الذي تتعرض له البلاد. وتقول هيلاري إن الولايات المتحدة لا تفتقر إلى القوة لكن تحتاج إلى استخدامها بطرق مختلفة، مضيفة في شرحها للاستراتيجية أن واشنطن: "تتحول من ممارسة وتطبيق مباشر للقوة إلى توليفة صعبة ومعقدة من القوة غير المباشرة والتأثير". ولأول مرة تشير استراتيجية الأمن القومي إلى الإرهاب المتنامي في الداخل الأميركي في إشارة إلى حادثة إطلاق النار في قاعدة "فورت هود" العسكرية حيث قتل مسلح 13 جنديّاً وجرح العشرات في نوفمبر 2009. واتهم في الاعتداء الطبيب النفسي الميجور نضال حسن، وهو أميركي مسلم من أصل فلسطيني، وكذلك محاولة التفجير في "تايمز سكوير" بنيويورك وقد اعتقل على خلفية الحادث باكستاني مولود في الولايات المتحدة. لذا أصبح الإرهاب الداخلي عنواناً رئيسيّاً للاستراتيجية الأمنية. كما نصت الوثيقة على أن الولايات المتحدة "ليست في حالة حرب عالمية على الإرهاب أو على الإسلام"، بل هي في حرب على شبكة محددة هي تنظيم "القاعدة" و"الإرهابيين" المرتبطين به. وبذلك أصبح للإرهاب في ظل إدارة أوباما وجه محدد نوعاً ما. وأشارت الوثيقة كذلك إلى التهديدات الخارجية المألوفة سابقاً كانتشار الأسلحة النووية، وعدم الاستقرار الاقتصادي، وتغير المناخ العالمي، وتآكل الحريات الديمقراطية في الخارج. لقد أثارت السياسة الخارجية التي انتهجتها إدارة أوباما جدلا إعلاميّاً وسياسيّاً حول تطابقها أو تباعدها عن سياسة إدارة بوش، ولكن بعد مرور أكثر من عام على تولي أوباما للسلطة ظهر تمايز واضح في نهج السياسة الخارجية، إذ أعادت هيلاري رسم السياسة الخارجية وبدأتها بإعلان مراجعة للأساليب التي تعاطت بها الإدارة السابقة مع الملفين النووي الإيراني والكوري الشمالي، فيما استمر التركيز على الديمقراطية كقيمة من قيم الدبلوماسية الأميركية، وكذلك العمل على تمتين العلاقات الخارجية، ولذا بدأت الإدارة بحملة علاقات عامة واسعة وجولات رئاسية ووزارية لتسويق السياسة الخارجية الجديدة. فالإدارة الأميركية وكما ظهر في نهجها العملي وتأكد في سياساتها الأمنية الجديدة تعرف حدود القوة الأميركية، وتنظر بواقعية إلى حدود هذه القوة والدور، وهي سياسة عملية تحرص على تحقيق أقصى المصالح الأميركية دون التشدق بالدور الأميركي. سياسة خارجية هادئة تتسم بالتغيير التدريجي، تراجعت على إثرها النظرة العدائية للسياسة الخارجية الأميركية، فأقرت واشنطن بسطوع نجم "مراكز نفوذ" جديدة، خلال القرن الجاري في الهند والصين وروسيا. فهل ترجل "الكاوبوي" الأميركي من على صهوة حصانه؟ الأيام القادمة كفيلة بالإجابة على كل التساؤلات.