يبدو أن المنطقة تواجه الآن صراع إرادات حقيقيّاً على أكثر من جبهة، قد يغير التضاريس السياسية والجيو- استراتيجية في المنطقة برمتها. فهناك سيناريوهات لأكثر من حرب، قد تأخذ أكثر من شكل، وتطال أكثر من جبهة وإقليم في منطقتنا الحبلى بالتطورات وهي تقترب من صيف ساخن آخر وسط توازن رعب في جبهة، وخلل كلي في توازن القوى في جبهات أخرى. وكل ذلك يأتي في ظل حرب محتدمة في أفغانستان، وتشظٍّ في باكستان، وتجاذب مزمن في إيران، ومخاض مرير في العراق، وصولاً إلى مشاهد سفن "قافلة الحرية" التي تسعى لكسر الحصار على غزة المحاصرة بقرار إسرائيلي، لإحراج إسرائيل وفضح خرقها للقانون الدولي، بعد أن عرَّت حكومة جنوب أفريقيا الأسبوع الماضي حيازة تل أبيب للسلاح النووي، ويبدو أن الضغط عليها سيتصاعد كدولة مارقة. وفي هذا الخضم تتصاعد حرب الإرادات هذه مع الإعلان عن عقيدة أوباما أو الاستراتيجية الأميركية الجديدة للأمن القومي، التي تميل إلى الدبلوماسية الناعمة والذكية بدلاً من دبلوماسية القوة وسياسات "رعاة البقر" والبوارج والحروب الاستباقية. وبذلك ألغي مفهوم إدارة بوش والحديث عن الحرب على الإرهاب، أو على الإسلام، وفرقت الإدارة الجديدة بوضوح بين الإسلام والإرهاب. وتتصاعد حرب الإرادات ذاتها أيضاً في قرار مهم تم التوصل إليه قبل أيام بعد مؤتمر الأمم المتحدة لمراجعة معاهدة الحد من الانتشار النووي، الذي سعى بصورة خاصة لنزع السلاح وإقامة منطقة خالية من الأسلحة النووية في الشرق الأوسط. وقد اصطدم لأول مرة بالسلاح النووي الإسرائيلي، السر المفضوح منذ أربعة عقود، الذي تتبع حياله تل أبيب سياسة "الغموض النووي". وقد وافق المؤتمر الدولي بالإجماع في البيان الختامي على أن يكون الشرق الأوسط خاليّاً من السلاح النووي، وعقد مؤتمر دولي في عام 2012 حول هذا المسعى. ومؤتمر عام 2012 هذا "يفترض أن تشارك فيه جميع دول المنطقة وأن يفضي إلى قيام منطقة منزوعة السلاح النووي يفترض أن تشمل إسرائيل وإيران. تطبيقاً لقرار مجلس الأمن". ويدعو البيان الختامي بشكل خاص إسرائيل للانضمام إلى معاهدة الحد من الانتشار النووي، وهي التي ترفض المصادقة عليها، حيث بات "من المهم أن تنضم إسرائيل إلى المعاهدة وتضع كل منشآتها النووية تحت الضمانات الشاملة للوكالة الدولية للطاقة الذرية". وقد تعهدت الولايات المتحدة بالعمل لضمان نجاح مثل هذا المؤتمر مؤكدة، في الوقت نفسه، عزمها "العمل مع دول المنطقة على توفير الظروف المناسبة لعقد مؤتمر يكلل بالنجاح"، ولكن مع تحفظ سجل بالقول: "إلا أننا نلفت إلى أن إشارة البيان الختامي إلى إسرائيل في قسمه المخصص للشرق الأوسط يحد بشكل كبير من قدرتنا على تحقيق ذلك، وهو أمر تأسف له الولايات المتحدة كثيراً". ومن جهته أثنى أوباما على الاتفاق "المتوازن والعملي" مبديّاً في الوقت نفسه معارضته "الشديدة" لذكر إسرائيل تحديداً في البيان الختامي. ولا حاجة طبعاً للتوضيح بأن هذا الموقف الأميركي، الذي دائماً ما ينحاز لإسرائيل حتى لو أمعنت في إحراج الإدارات الأميركية وخاصة إدارة أوباما، يؤكد الموقف والانتقاد العربي والإسلامي الدائم لمواقف أميركا في صراعات المنطقة. واليوم أُضيف إلى ذلك الاصطفاف الأميركي تجاه إسرائيل الانحياز النووي أيضاً، مما جعل الترسانة النووية الإسرائيلية -المسكوت عنها حسب اتفاق بين غولدا مائير والرئيس الأميركي جونسون في الستينيات- توازي أو تفوق الترسانة النووية لدولة عظمى مثل بريطانيا، وسط صمت وتواطؤ دولي ومواقف تكيل بمكيالين. والتحدي الآن هو: كيف يمكن الحديث عن تحويل منطقة الشرق الأوسط إلى منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل، في ضوء هذه الظروف الضاغطة والمواقف المرتبكة؟ وكيف يضمن المجتمع الدولي الضغط على إسرائيل لتكف عن ممارسة سياسات الدولة المارقة، أو التي تضع نفسها فوق القانون؟ ثم كيف يمكن الوصول إلى شرق أوسط خالٍ من السلاح النووي دون إيجاد حل عادل ونهائي للبرنامج النووي الإيراني؟ هذه أسئلة تبقى برسم من يعنيهم الأمر، ومن يسعون لتحقيق ذلك الحلم الكبير الذي سيبقى سراباً ما لم تتغير المعطيات والمواقف وسياسات الكيل بمكيالين.