في أول عهد أردوجان تم اختيار الكفاءات النظيفة التي عرف عنها الشرف والنزاهة، وبدأ معهم مشوار النجاح الاقتصادي الذي تحول إلى مدرسة تركية في فن الإدارة وإقامة ناصية الاستثمار على أسس من الوضوح والشفافية، والعمل المتواصل المتصف بأنه دؤوب وله من الخبرة الكثير. وعبر النهج ذاته جاءت حكاية مؤسس سنغافورة، فهو بدأ فترة حكمه بإعلان الحرب على الفساد، ووصفه البعض بأنه يحمي بنية تحتية، ويعزز من سمعة بلاده، التي اشتهرت بعد عدة سنوات بأنها البلد الأكثر نجاحاً وألقاً في فن الاقتصاد واستثمار كل ما تملكه وتحويله إلى قصص نجاح متواصلة. ولأننا استعنا منذ فترة طويلة بخبرات من كل الجنسيات، وذلك بحكم مشروعات التنمية فإن الفساد جاء مع وصول هذه الوفود، وتحول الأمر برمته إلى نمط أو أسلوب يروج له البعض، وتواتر إلى القرن الحالي، ليصل هذا الأسلوب إلى بعض المؤسسات، والنتيجة ظهور مشكلات. وما زالت المشكلة مستمرة في كثير من دول العالم النامي، فالأمر يبدو معكوساً لدى البعض، فبدلاً من أن تستمر نظافة الأيدي تحول الأمر لدى بعض البلدان إلى مباراة في التجاوزات، ومن بين النتائج أن فقدت جهات عديدة الأمل في إمكانية استمرار دورها المؤثر في العملية التنموية، فالفساد عدو التنمية. فحتى صغار الموظفين في البلدان النامية تحولوا- في بعض الأحيان- إلى مترفين بفعل غض الطرف عنهم وعن غيرهم، فكيف لموظف أن يكون له كل تفاصيل مناقصات جهة عمله، ويتجرأ على أن يقدم ذاته على جهات أخرى أجدر وأكثر كفاءة على الفوز بالعرض. في بعض الحالات تكون التفاصيل مثيرة للقلق، والشواهد تمتلئ بها أدراج المراجعين والموظفين على حد سواء. والحديث الصريح، قد يكون سبباً في إقصاء صاحب النوايا الحسنة الساعي لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، في بعض الجهات. التصدي للفساد في كل بقاع العالم لا يعني فقط مواجهة السرقة الصريحة أو الخفية، فللفساد أنواع، وحتى السكوت عن أمثال هؤلاء مشاركة في الفساد، التسرب من العمل فساد، وإهدار وقت العمل فيما ليس عملاً فساد، وقد تختلف النسب فقط، لكن الفساد قائم حتى وإن كان لا يمس هدر الأموال بشكل مباشر. والقاعدة الشرعية التي أطلقها عمر بن الخطاب هي الحد الفاصل في كل هذه الكوابيس المسماة بالفساد وضلوع أي مسؤول مباشر لا تعني إعفاء من فوقه عن المسؤولية، فالرقيب هنا ليس وهمياً أو ضميراً فقط، إنه رقيب لابد وأن يراقب حتى ذلك الذي يعتبر نفسه فوق القانون، فالحضارات قامت على احترام القانون، حيث لا ينبغي أن تكون هناك استثناءات، فمتى فسد تطبيق القانون فسد المجتمع وانهارت القيمة الإنسانية التي تقوم عليها أي ثقافة أو حضارة. ومن الخطر أن يتم الصمت عن الفساد، أو التهرب من مواجهته، ففي بعض الدول النامية يتم تجاهل فاسدين، وهذا يعني تبديد الجهود، وتهديد احترام روح القانون.