أميركا تتوجس من امتداد مأزق اليونان... والصين تسعى لتطويق أزمة "شيونان" مخاوف امتداد الأزمة المالية الأوروبية بدأت تتفاعل في واشنطن، واتساع الحركة الاحتجاجية ضد تعديل سن التقاعد في فرنسا، ومساعي الصين لتطويق التصعيد المتواصل في شبه الجزيرة الكورية، موضوعات ثلاثة استقطبت اهتمام كُتاب افتتاحيات الصحف الفرنسية. أوروبا تُقلق أميركا اعتبرت لوفيغارو في افتتاحية خصصتها للأزمة المالية الأوروبية أن المأزق المالي اليوناني وتداعياته في القارة العجوز يثيران الآن قلقاً قويّاً في العاصمة الأميركية، وفي هذا السياق تظهر زيارة وزير الخزانة الأميركي "تيموثي جيثنر" إلى بريطانيا، وخاصة إلى ألمانيا، أن الأميركيين باتوا يحملون ما يجري على الجانب الآخر من المحيط الأطلسي على محمل الجد، وعلى نحو يوحي بأن أبناء "العم سام" لم يعودوا واثقين تماماً من قدرة الأوروبيين على مواجهة التردي المتواصل لاقتصاداتهم ونظمهم المالية، ولذا باتوا يتوجسون من خطر امتداد العدوى خارج القارة الأوروبية. وفي هذا الإطار صرح وزير الخزانة في برلين بأن الولايات المتحدة وأوروبا كانتا، بشكل عام، على اتفاق كامل حول ضرورة إصلاح النظام المالي، على رغم وجود اختلافات طفيفة بين الطرفين فيما يتعلق بالتدابير والمقاربات الإجرائية اللازمة لإحداث ذلك، مؤكداً في الوقت نفسه أهمية "التنسيق الوثيق لتعزيز فرص الانتعاش الاقتصادي العالمي". وهو ما يقتضي، في المحصلة، "أن تنفذ أوروبا، عمليّاً، البرنامج المتفق عليه"، بحسب ما أفاد "جيثنر" في لندن، معرباً عن ضيقه الواضح من بطء الإجراءات والتدابير التي اتخذها الأوروبيون منذ اندلاع أزمة انهيار اليونان المالي. وفي ذات السياق، وإضافة إلى المؤشرات الكثيرة الملتقطة من تحركات وتصريحات وزير الخزانة الأميركي، رصدت افتتاحية لوفيغارو أيضاً تعبيراً أميركيّاً آخر عن ذات الموقف، في الصحف الأميركية الكبرى التي تعد عادة بوصلة تحدد اتجاهات سياسة واشنطن. وأشارت هنا إلى افتتاحية لـ"نيويورك تايمز"، حملت عنواناً لافتاً: "ألمانيا ضد أوروبا"، ترددت فيها أصداء النقد الذي وجهه كثيرون لمواقف ميركل، تجاه التحدي المالي الذي يواجهه الاتحاد الأوروبي. كما لفتت الانتباه إلى الرسالة المتضمنة في افتتاحية أخرى كتبها "ديفيد إغناتيوس" في "واشنطن بوست" وعبر فيها علناً عن خشية الأميركيين اليوم من انتقال عدوى الأزمة المالية الأوروبية، ومن خطر عبورها الأطلسي، وخاصة أن من شأن ذلك كبح الانتعاش الحذر الذي بدأ يسجل في الاقتصاد الأميركي، هذا زيادة على أن انخفاض أسعار صرف "اليورو" يؤثر سلباً على الصادرات الأميركية إلى أوروبا. واعتبرت لوفيغارو أن أوباما، في ضوء تحركاته ومبادراته، يبدو اليوم أوروبيّاً أكثر من الأوروبيين، وداعماً قويّاً لمقاربات الاندماج الاقتصادي في القارة العجوز. تمديد سن "التقاعد" رصدت معظم الصحف الفرنسية التصعيد الواسع الذي عرفه الشارع هذا الأسبوع في شكل تظاهرات عارمة نظمتها النقابات ضد المساعي لتغيير سن التقاعد (60 سنة). صحيفة لوموند ذهبت في افتتاحية بهذا الشأن إلى أن هنالك في النظام الاجتماعي العمالي الفرنسي ما يعتبره البعض بمثابة "تابو" لا يسمح بالحديث عنه موضوع التقاعد عن سن 60 سنة، على رغم أن بعض حقائق ذلك "التابو" تجد نفسها أحياناً في مواجهة فعلية مع حقائق الواقع، وتغيرات الزمن وضروراته، فما كان من قبيل البداهة بالأمس قد لا يصلح اليوم، وهنالك وثوقيات اجتماعية أو سياسية كثيرة تنقرض حين تفقد القدرة على الإقناع. وفي هذا السياق حاولت زعيمة الحزب الاشتراكي المعارض "مارتين أوبيري" إعطاء انطباع عام بأنها قادرة على اختراق كافة التابوهات والوثوقيات، حين وعدت في حال نجاحها في رئاسيات 2012 بوضع قواعد جديدة فيما يتعلق بسن التقاعد ونظام المعاشات. ولكن على رغم ذلك لا يبدو مشروع الإصلاح الاشتراكي بعيداً هو الآخر عن الوقوع في براثن التناقض، هذا إن لم يكن، في الواقع، إنه مجرد محاولة حزبية لبيع وثوقية غير واقعية بأخرى أقل واقعية. أما في افتتاحية صحيفة ليبراسيون فقد ذهب الكاتب لوران جوفرين إلى أن سن الـ 60 لم يتم اختيارها أصلاً عبثاً، بل كانت نتيجة مسار تطوري ونقابي مديد. غير أن المعطيات الديموغرافية والسكانية في فرنسا قد عرفت تحولات واسعة، بما قد يجعل تعديل نظام التقاعد ضرورة لا مفر منها. ولكن إذا تم التنكر لسن التقاعد الشرعية فلا جدال أيضاً في أن ذلك سيكون تراجعاً عن بعض المكاسب التقدمية على الجبهة الاجتماعية. ولا ننسى، هنا، أن تحديد سن الـ60 للتقاعد، ظل على رأس المطالب الثلاثة الكبرى للحركة النقابية الفرنسية، عند توحيدها سنة 1897، إضافة إلى المطلبين الكبيرين الآخرين القاضيين بتحديد يوم العمل في ثماني ساعات فقط، وزيادة أجور العاملين. وأخيراً انتقد باتريك- آبل مولر في افتتاحية صحيفة لومانيتيه -الشيوعية- مساعي الحكومة لتأخير سن التقاعد، إلى ما بعد الـ60. واعتبر أن غرض الوزير المعني من وراء ذلك هو تثبيط عزائم الأجراء والطبقة العاملة. ولكنه فشل في مسعاه، على كل حال، لأن تظاهرات وإضرابات هذا الأسبوع كانت عارمة بشكل غير مسبوق -قاربت المليون- وبشكل فاق بكثير ما جرى يوم 23 مارس الماضي. كما سجلت الحركة الاحتجاجية هذه المرة في بعض القطاعات بحجم وزخم أكبر بكثير مما جرى حينها. وعلى رغم الحملة الحكومية المحمومة، والتثبيط الإعلامي، فقد صادفت حركة الاحتجاجات الحالية تجاوباً منقطع النظير من قبل الحركة النقابية. كما أن كافة استطلاعات الرأي تظهر وجود معارضة شعبية واسعة لتأخير سن التقاعد. ومثلما يقال، من طريقة ارتكاب الجرائم يمكن الإمساك بخيوطها، فهذا القانون المتعلق بتعديل سن التقاعد الذي تحول إلى موضوع لتشاور زائف، كشف عنه أصلا يوم 20 يونيو، خلال فترة العطلة الصيفية، وقدم للجمعية الوطنية يوم 6 سبتمبر في توقيت مقصود يتزامن مع بداية السنة المدرسية، وكل ذلك يؤكد أن المصلحة العامة هي آخر ما قصد من ورائه. أزمة "شيونان" الكورية الكاتب بيير روسلين خصص افتتاحية بصحيفة لوفيغارو للأزمة الناشبة الآن في شبه الجزيرة الكورية على خلفية اتهام كوريا الشمالية بإغراق السفينة الكورية الجنوبية "شيونان". واعتبر الكاتب أن التصعيد الراهن بين الكوريتين، سرعان ما انتقلت تداعياته لتلقي بظلالها الثقيلة على بقية القوى الأخرى في المنطقة، وفي العالم. ولتطويق نذر الخطر المتصاعدة جاءت جولة رئيس الوزراء الصيني "وين جياباو" الهادفة إلى تهدئة غضب سيئول وطوكيو، وامتصاص أي استياء ممكن قد ينتابهما تجاه بكين، باعتبارها الداعم الدولي الأبرز لنظام بيونج يانج. ولعل من دواعي القلق الصيني أيضاً تجاه هذه القضية أن أزمة السفينة "شيونان" التي قيل إنها أغرقت يوم 26 مارس، قد دفعت الولايات المتحدة لتقوية تحالفها مع كوريا الجنوبية، وتعزيز وجودها البحري في بحر الصين، وهي منطقة تعتبر بكين أنها تمثل مجالها الحيوي الأكثر حساسية. ولاشك أن دبلوماسية الصين تجد الآن أرضية تحرك أكثر إيجابية، وأقل ضغوطاً، خاصة بعدما أخذت سيئول وطوكيو سياستين تجاه الأزمة واضحتي الاستقلالية عن المواقف الأميركية، هذا فضلاً عن انشغال "البنتاجون" الآن بما فيه الكفاية، في ضوء ثقل الالتزامات العسكرية الأميركية في العراق وأفغانستان. وفي المقابل أسهمت مشكلة "شيونان" أيضاً في دفع طوكيو إلى عدم تصعيد موضوع اتفاقها مع واشنطن على إعادة نشر القوات الأميركية في جزيرة "أوكيناوا"، وهو تطور ربما جرى في غير ما كانت بكين تطمح إليه، من حدوث برود في العلاقات اليابانية- الأميركية، لصالح التقارب الصيني- الياباني، الذي كان متوقعاً مع مجيء هاتوياما للسلطة في طوكيو. وينسب روسلين لمسؤولين أميركيين قولهم إن بكين قد تجد نفسها الآن مضطرة لإعادة رسم محددات سياستها تجاه بيونج يانج إذا شعرت بأنها قد فقدت السيطرة على حليفتها النزقة. وهذا الأمر يوصف اليوم بأنه موضوع سجال داخلي في صفوف القيادة الصينية بين القادة المدنيين للحزب الشيوعي الحاكم والقادة العسكريين، وخاصة أن عسكر بكين هم الأكثر احتكاكاً وخبرة في التعامل مع النظام الكوري الشمالي، الذي ينشغل هو الآخر الآن بضغوط الخلافة المتوقعة لزعيمه "كيم يونج إيل". إعداد: حسن ولد المختار