منذ 14 مايو الجاري، فارقتنا حالة السكينة العميقة التي كانت سائدة على مجرى نهر النيل، وحلت محلها حالة قلق صاخب في الصحف وأجهزة الإعلام المصرية وأيضاً في دول المنبع، وهي أثيوبيا وكينيا وأوغندا وتنزانيا ورواندا والكونغو الديمقراطية وبوروندي، وكذلك في السودان وهي دولة الممر للمجرى نحو مصر، ووصل الصخب إلى حد قرع طبول الحرب من بعض الكتَّاب هنا وهناك. في ذلك اليوم وقَّعت أربع من دول المنبع على اتفاقية جديدة لتنظيم مياه النيل تحمل اسم الاتفاقية الإطارية. السبب في غضبنا في مصر أن هذه الاتفاقية تخالف الاتفاقية المنظمة للعلاقات بين دول حوض النيل والموقعة عام 1929، والتي تتضمن بنداً حول ضرورة موافقة كل من مصر والسودان على المشروعات المتصلة بمياه النيل في دول المنبع، وذلك لضمان عدم تأثر حصة الدولتين من المياه، والتي تتضمن أيضاً بنداً يحدد حصة كل من مصر والسودان سنوياً بالإضافة إلى بند خاص بضرورة اعتماد مبدأ الإجماع في اتخاذ، أي قرار بين الدول التسع حول تعديل الاتقافية. الاتفاقية أسقطت هذه البنود التاريخية الراسخة، وفتحت الباب أمام انتقاص حصة مصر والسودان من المياه، في وقت يتزايد فيه عدد سكان مصر البالغ عددهم اليوم ثمانين مليوناً، وما عادت تكفي احتياجاتهم حصة مصر الحالية البالغة 55.5 مليار متر مكعب من المياه. المشكلة الحقيقية أن هذه الحصة المصرية لا تمثل إلا نسبة ضئيلة للغاية من كمية الأمطار التي تنهمر على دول المنبع سنوياً، والتي تبلغ ألفا وستمائة وستين مليار متر مكعب، هذا الرقم يعني أن هناك ألفا وستمائة وخمسة وخمسين ملياراً لا تصل إلى مصر، وهو رقم ضخم يكفي لإشباع حاجات كل دول الحوض ويزيد. لب المشكلة هو كيفية الحفاظ على حجم المياه الكامل وحمايته من التبخر، بحيث يتم إشباع حاجات كافة الدول. في تقديري أن المفاوضات التي استمرت بين مصر والسودان لسنوات من جانب ودول المنبع من جانب آخر حول الموضوع يجب استعادتها. وهنا يلزم موقف عربي يقوده الأشقاء في سائر الدول الخليجية للتدخل من أجل استئناف المفاوضات التي انقطعت يوم 2010/5/14، بتوقيع الدول الأربع على الاتفاقية الجديدة بعيداً عن مصر والسودان، وهي الاتفاقية التي وقعت عليها كينيا بعد ذلك. التدخل الخليجي يجب أن يقوم على رؤية استراتيجية تجمع بين المصالح القومية في حماية أمن مصر والسودان المائي، وبالتالي استقرارهما وبين التوجه نحو الاستثمار في دول الحوض خاصة في مجال الحفاظ على المياه واستخدامها في زراعات واسعة ضرورية لدول الخليج بالصناعات المصاحبة لها. لقد شرعت الرئاسة المصرية في إدارة هذا الملف من خلال تنشيط روح الحوار بهدف تعديل الاتفاقية الإطارية الجديدة، بحيث يتضمن البند الثامن من هذه الاتفاقية ضرورة الإخطار المسبق من جانب دول المنبع حول المشروعات لكل من مصر والسودان، وأن تتضمن الاتفاقية في البند الرابع (فقرة ب) الخاص بالأمن المائي، نصاً صريحاً يتضمن الحفاظ على حصة مصر من النيل وأن يتم تعديل البند رقم (34 أ)و(34ب) بحيث تكون جميع القرارات الخاصة بتعديل أي بنود في الاتفاقية أو الملاحق بالإجماع وليس بالأغلبية. نجاح هذا الاتجاه يتوقف على مزايا يجب التلويح بها لدول المنبع وأهمها مبادرة تقودها دول الخليج لخلق منطقة استثمار وأمن وتنمية في دول حوض النيل... هكذا نوقف طبول الحرب على النيل وننفع الجميع.