صدر قبل أعوام عن مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت، كتاب يقع في ألف صفحة عنوانه "الفساد والحكم الصالح في البلاد العربية"! وقد هاجمت معظم أوراق وبحوث الكتاب مفاسد الحكومات وسوء الإدارة، مما يجعل أي حديث عن تحديث وعصرنة الإدارة العربية كلاماً نظرياً مثالياً، مقتطفاً من بساتين إحدى يوتوبيات الفلاسفة! ويكفي أن أحد الخليجيين المشاركين في تلك الندوة، وصف الجهاز الإداري وبيروقراطية دولته بالفئوية، "فوزارات بعينها لهذه الجهة، وأخرى لتلك، وأصحاب هذه القرية يسيطرون على هذا الجهاز، وآخرون يسيطرون على ذاك. ومن هنا أصبح الجهاز البيروقراطي خادماً للفئوية، وليس جهازاً للخدمة العامة". وأضاف أن كبار البيروقراطيين باستطاعتهم "اختطاف القرارات وهم لمَّا يبارحوا مقاعدهم. وبإمكانهم تقديم دراسات للوزير مُحبَّبَةٍ له ليوافق على مشروع ما، في منطقة ما، لحجبه عن منطقة أخرى. ويستطيع هؤلاء تعويق القرارات التي يُفترض بهم تطبيقها، وكثيراً ما نسمع عن قرارات وتوصيات ماتت في مهدها دون ضجيج! ويستطيعون أيضاً تغيير الأولويات في عمل الوزارات، كما في تنفيع القرابات عبر ترسية المشاريع والمناقصات على آخرين من ذات الفئة، أو لمصلحة شخصية، وهكذا". وسكان العالم العربي في حيرة من أمرهم، فدور الدولة محوري في كل مجالات الحياة، ولكن المخاوف والشكوك تحيط بقدراتها وإمكانياتها وسياساتها في كل مكان. وتحاول الدولة الاستجابة مثلاً لتحديات التحديث بزيادة القوانين والتشريعات. ولكن هذه السياسة الإدارية، في تحليل د. حسن الطيب، مدير عام أكاديمية السودان للعلوم الإدارية، وأحد كبار خبراء الأمم المتحدة في المجال الإداري، يقول: مثل هذا التوجه "فتنة بالحداثة"، ويراه تبنياً لأشكال التحديث دون تروٍّ ودون تعمق في خبرة الدول الغربية وجذور نجاحها الإداري. ومن مظاهر تعجلنا، يقول ناقداً شاكياً، "ذلك الكم الهائل من القوانين واللوائح الإدارية التي لا نعمل على تنفيذها، ولكننا نصرُّ على وجودها كواجهة حداثة وتمدين". فنحن، يضيف، "نضع الأسس للاختيار والترفيع بالكفاءة والجدارة، ولكننا فعلاً نزكيها وفق الارتباطات الاجتماعية والالتزامات الشخصية، ونستورد الأجهزة والمعدات التقنية، ولكننا لا نجهد أنفسنا في التعرف إلى وظائفها، لأننا لا نستعملها على كل حال"! ما هي أبرز السمات السلبية التي لا تزال تعاني منها النظم الإدارية في الدول العربية، كما يراها د. الطيب؟أولى هذه السمات "تبني النموذج البيروقراطي"، كنموذج للإصلاح الإداري. وقد قاد هذا الاختيار إلى الانحصار في بديل واحد، وحصر الرؤية الإصلاحية في جزئية صغيرة من مجمل الأهداف الكبرى للإصلاح الإداري. وقد أذكى هذا التوجه أن العديد من الدول العربية ظلت أسيرة النظم التي ورثتها من فترة الاحتلال والاستعمار، ورغبة النظم السياسية ذات الطابع العسكري في بعض البلاد العربية، بوضع نظام يماثل النظام العسكري الذي تدربوا عليه وألِفوه... وفي النهاية، أدى تبني النموذج البيروقراطي والاستناد اليه، إلى تقليص فرص الاستفادة من النماذج الأخرى كالنماذج غير الهيكلية والخدمات التعاقدية والاستفادة من مجموعات العمل. ثاني هذه السمات تركز الاهتمام والتطوير والإصلاح على الإطار القانوني، وما فيه من لوائح وقوانين. ولهذه القوانين جذورها الفرنسية في المغرب العربي، وجذورها الإنجليزية في دول المشرق العربي. وترى في هذا المجال، يقول الخبير الإداري، عناية متزايدة بالرقابة واهتماماً أقل بالأداء الفعلي. كما أن كثرة القوانين وتعدد اللوائح، وما يجدُّ عليها من تعديلات، يحد من تصرف الإداري ويقلل حركته. إلى جانب صدور كثير من القوانين واللوائح بشكل متسرع، مما يجعلها صعبة التحقيق وينفتح المجال للاستثناءات. ثالث السمات "الفتنة باقتناء الوسائل التقنية الحديثة". وهذا توجه ملاحظ في سائر الدول العربية، الغنية منها والفقيرة. فكلها تبادر إلى اقتناء التقنيات الإدارية الحديثة كالحاسب الآلي والميكروفيلم وغيرهما دون دراسة جدوى. "وكانت نتيجة ذلك، في بعض الحالات، أن أصبحت هذه الوسائل التقنية واجهات للمدنية لا تمت للبيئة الإدارية المتخلفة بصلة، كما غدت إمكانيات تقنية معطلة، لافتقاد الخبرة الفنية اللازمة لتشغيلها.. كما أن معظم هذه الأجهزة والمعدات تصبح متقادمة فنياً بعد فترة وجيزة، وتصبح ملاحقة التقدم التقني السريع.. غاية في حد ذاتها". وأخيراً، هناك الاهتمام الشديد بإنشاء المؤسسات التي تدرب الأجهزة الإدارية، بينما لا تساهم في تدريب القيادات الإدارية وتنميتها. "لهذا فإن معظم الدول العربية ما تزال تعاني من ندرة في القيادات الإدارية ذات المهارات التنموية، الأمر الذي خلق فجوة بين ما هو مطلوب لإدارة التنمية وما هو متاح فعلاً". وتجابه الأوضاع الإدارية في العالم العربي ظروفاً دولية متسارعة وتبدلات هائلة في أنماط وأساليب الإدارة، وسط ثورة مُعاشة في مجال المعلومات والاتصالات. وبينما كانت قيمة الشركات في الماضي تقاس بممتلكاتها ومقتنياتها، صار المقياس اليوم مدى قدرتها في الحصول على المعلومات وحسن توظيفها، واستخدام المعرفة استراتيجياً وعملياً. كما أن الحاسب الآلي ونظم المعلومات الإلكترونية قد أحدثت تحولات جوهرية في تكوين القوى العاملة، وانتشرت مصطلحات جديدة في مجال الثقافة الإدارية مثل "هندسة المعرفة" و"أتمتة المكاتب" "المصنع المحوسب" وغيرها. واستدعت هذه الثورة تقليص العمالة الحكومية والتوجه إلى الخصخصة وإعادة الهيكلة لإعادة تنظيم الهيئات الحكومية. وينتقد علماء السياسة والإدارة في البلدان الغربية تضخم البيروقراطية على حساب التنمية الحقيقية، ويقولون إن النموذج البيروقراطي قد نما في ظروف تباطأت فيها حركة التغيير، في عصر اعتمد على التسلسل الرئاسي، عندما كانت القيادة في رأس الهرم تمتلك المعلومات وربما تحتكرها. وهي فترة كان أفراد المجتمع يعملون فيها بأيديهم وليس بعقولهم. كما كانت الأسواق تتسم بتماثل رغبات وسلوك العملاء.. والآن تبدل كل ذلك. "إن الأجهزة البيروقراطية تبدو كسفن المحيط المترفة في عصر الطائرات النفاثة. كبيرة، ومثقلة، ومكلفة، ومن الصعوبة تعديل اتجاهها.. نحن نعيش الآن في إطار عولمة اقتصاديات السوق، عصر مجتمع المعلومات، عصر يتمكن فيه الفرد من الحصول على المعلومات في ذات الوقت الذي تصل فيه هذه المعلومات إلى رؤسائه.. عصر أصبح فيه العملاء معتادين على درجة عالية من الجودة ودرجة عالية من الأنواع والأصناف تمكنهم من اختيار ما يبتغون. في هذه البيئة المعاصرة لا يمكن أن تحقق المؤسسات البيروقراطية نجاحاً". الإدارة في العالم العربي، وبخاصة الاقتصادية منها، أمام تحديات كبرى. ولابد للنظم الإدارية في هذه البلدان الخروج على الأطر التقليدية التي قيدت حركتها وفعاليتها، وأن تتبنى أسلوب تعامل وفهماً جديداً لدورها وللعالم. وكما يؤكد د. الطيب في نهاية محاضرته عن "الإدارة العربية وتحديات القرن القادم"، فالعالم كله في إدارته المستقبلية، متوجه إلى تنظيمات ذات سمات "لا بيروقراطية". وللإدارة في المستقبل القريب سمات منها "التفكير الاستراتيجي بديلاً عن التصور الوقتي، وتبني النظام الإداري المفتوح المتفاعل مع البيئة بدلاً من النظام المغلق، وتأصيل المنهج اللامركزي، والتركيز على فريق العمل...إلخ! وتأتي إرشادات د. الطيب في وقت تنتقد تقارير التنمية أحوال العالم العربي في مختلف المجالات، وتغوص مجتمعات عربية عديدة في مشاكل البطالة والفقر والصراعات الداخلية من كل لون، فأين مستقبلنا.. وهذه النصائح المخلصة؟