رغم الشهور الطويلة التي استغرقتها المفاوضات الشاقة والعسيرة، استطاعت إدارة أوباما في الأخير إقناع روسيا بالموافقة على قرار يقضي بتشديد العقوبات على إيران، وبالطبع كان على أميركا التخلي عن الإجراءات الأكثر صرامة التي كانت تريد فرضها في البداية لتأمين موافقة روسيا، والأكثر من ذلك أطلق المسؤولون الروس تصريحات متشددة ضد البرنامج النووي الإيراني طالما رفضوا الإدلاء بها في السابق، فقد صرح السفير الروسي لدى الأمم المتحدة قائلا: "إنه على إيران أن توقف برنامج التخصيب"، وهو ما علق عليه أحد الدبلوماسيين الأوروبيين بقوله: "نحن نعتبر الموقف الروسي قراراً مهماً اتخذته موسكو في الملف النووي الإيراني". والحقيقة أن الموافقة الروسية الأخيرة على قرار العقوبات هو بالفعل اختراق يعود الفضل فيه إلى إدارة بوش بعدما حققت النجاح تلو النجاح في هذا الملف، حيث أعقب نجاح عام 2007 في انضمام روسيا إلى قرار أممي لفرض العقوبات، اختراق آخر يعود إلى 2006 عندما أسفرت أشهر من المفاوضات مع موسكو عن قرار آخر مخفف يفرض عقوبات هزيلة على إيران. وقد قاد القراران معاً إلى قرار عام 2008 بعدما نجحت إدارة بوش في إقناع روسيا بالموافقة مجدداً على قرار ثالث يفرض عقوبات رمزية بعد جولة طويلة من المساومات أفرغت العقوبات من معناها. واليوم وبعد الرجوع إلى هذا التاريخ ومقارنته بما يجري في الوقت الراهن نرى كيف تم التضخيم من إنجاز إدارة أوباما والترويج له على أنه نجاح غير مسبوق تمكنت الولايات المتحدة من خلاله من جر روسيا إلى الموافقة على قرار عقوبات رابع من مجلس الأمن الدولي، وهو في حقيقته ليس سوى قرار أجوف آخر. وحالياً يتم التعامل مع نجاح إدارة أوباما على أنه جزء من دبلوماسية إعادة ضبط العلاقة بين البلدين التي جاء بها البيت الأبيض، والتي من أهدافها الأساسية استمالة الموقف الروسي فيما يتعلق بالملف النووي الإيراني، حيث نسمع الآن حديثاً متواتراً عن استعداد روسيا للعمل مع الولايات المتحدة حول الموضوع الإيراني، وأنها بدأت تدرك خطورة حصول إيران على القنبلة النووية... وكل ذلك لأن أوباما قام بترميم العلاقة مع روسيا التي دمرها بوش من قبله! وفي هذا السياق لابد أن مسؤولي إدارة أوباما يعتقدون أنه لا أحد سيراجع سجل بوش ويرجع للتاريخ كما فعل العديد من الصحفيين الذين تجاهلوا السجالات القديمة التي تؤكد جميعا أنه لا شيء مما قالته أو فعلته روسيا خلال الأشهر القليلة الأخيرة لم تقله أو تفعله خلال إدارة الرئيس بوش، بل كانوا يصرحون بما هو أكثر وأشد، وإليكم ما قاله بوتين في أبريل 2005: "إننا نرفض رفضاً قاطعاً أي محاولة إيرانية لاكتساب السلاح النووي... وعلى شركائنا الإيرانيين التخلي عن حيازة التكنولوجيا لمجمل البرنامج النووي، وعليهم أن يخضعوا برنامجهم النووي للإشراف الدولي". وفي السياق نفسه صرح "إيفانوف"، وهو أحد أبرز مستشاري بوتين في قضايا الأمن القومي، قائلا: "يتعين وقف المسيرة الإيرانية بأن تجمد هذه الأخيرة برنامجها النووي". بل إن "نيويورك تايمز" نقلت عن مراسلتها في موسكو أن "روسيا هددت بـ"الإمساك عن تقديم الوقود النووي لتشغيل محطة بوشهر النووية حتى تعلق إيران تخصيب اليورانيوم، كما يطالب بذلك مجلس الأمن الدولي"، وهو ما دفع الصحيفة وقتها إلى الإشادة بإدارة بوش في إقناعها روسيا بالتعاون في الملف النووي، لكن روسيا سلمت بعد تسعة أشهر من تصريحها الوقود النووي لإيران. لذا علينا أن ننتظر ما إذا كان النجاح الحالي لإدارة أوباما في إقناع روسيا بالتعاون معها سيكون له أي معنى، أم أنه سينتهي كما انتهى في المرات السابقة، فقرار العقوبات الذي وافقت عليه روسيا يشدد الإجراءات الهامشية بعدما اضطرت الإدارة الأميركية إلى الانصياع للشروط الروسية والصينية. فقد أوردت صحيفة "واشنطن بوست" أن إدارة أوباما "فشلت في تأمين موافقة روسيا على المقترحات الأساسية التي تقدمت بها مثل فرض قيود على تجارة النفط الإيرانية، وحظر شامل للتعامل مع الحرس الثوري، أو وقف الاستثمار في قطاع الطاقة الإيراني". وبدلا من الحصار الشامل الذي أرادته واشنطن، لا يحظر مشروع القرار المعروض حالياً على مجلس الأمن حتى بيع موسكو لنظام الدفاع الصاروخي "S-300" لطهران. بل إن نظرة على السجلات التجارية الأميركية تكشف أن إدارة أوباما أزالت العقوبات التي كانت مفروضة على أربع مؤسسات روسية تورطت في عمليات بيع غير شرعي للأسلحة لكل من إيران وسوريا. ولعل ما يثير الاستغراب في كل هذا إصرار إدارة أوباما على أن التعاون الروسي هو نتيجة استراتيجية إعادة ضبط العلاقة مع روسيا رغم أن هذه الأخيرة استجابت بنفس الطريقة التي استجابت بها لمقترحات إدارة بوش قبل سياسة إعادة الضبط تلك، فروسيا تلعب مع أميركا نفس اللعبة القديمة، وكل ما هنالك أنها تبيعها في كل مرة السجادة نفسها لكن بسعر مختلف.