إذا كانت الأنشطة البشرية قد تسببت في ارتفاع درجات حرارة كوكبنا، فربما تستطيع التكنولوجيا الجديدة خفض تلك الدرجات وتبريد حرارة الأرض مجدداً. وهذا ما يبرر النظر الجدي في علم الهندسة الجغرافية –أو الهندسة المناخية كما تسمى في سياقات أخرى-. ففي تايلاند تنشط إحدى الطائرات المستخدمة في المجال الزراعي، في نثر حمولة كبيرة من الملح فوق منطقة "براشواب خريخان"، على أمل استحداث سحب صناعية فوقها، ومن ثم هطول الأمطار. فهذا نموذج عملي على مجموعة الوسائل والتقنيات التي يستخدمها علم الهندسة الجغرافية الحديث، في إطار سعيه للحد من خطر ارتفاع درجات حرارة الأرض. ولا يتجاوز هذا العلم حتى اليوم، كونه مجموعة من التصورات والمقترحات والابتكارات العلمية النظرية، التي يصعب الجزم الآن بإمكانية توظفيها في الواقع العملي مستقبلاً. فمن المعضلات الرئيسية التي تواجه هذا العلم، التقرير بشأن أي الأفكار والمقترحات ذات الصلة بهذا العلم يمكن تطبيقها وإخضاعها للاختبار العملي، وكيف لهذا التطبيق أن يتم بالسلامة المطلوبة. ويمكن للتأثيرات التي يمكن للهندسة الجغرافية أن تحدثها أن تكون عالمية الطابع بالطبع. غير أن حث الدول على الاتفاق فيما بينها على أي إجراء ممكن لخفض درجات حرارة الأرض، لا يزال بحاجة إلى بذل جهد خارق من أجل تحقيقه. وبهذه المناسبة، فقد عقد مؤتمر في كاليفورنيا الشمالية في نهاية شهر مارس المنصرم، حيث بدأت مجموعة من الخبراء مؤلفة من 175 مشاركا خطوات شبيهة بتلك التي خطاها مؤتمر عام 1975 الذي وضع المعايير الطوعية والأسس العامة لأبحاث الحمض النووي. فعلى غرار هذا المؤتمر الأخير، هدف "المؤتمر الدولي لتكنولوجيا التدخل المناخي"، الذي عقد في مارس الماضي في باسيفيك جروف بولاية كاليفورنيا، إلى وضع المعايير والتطبيقات المقبولة الموجهة لاختبار العلماء والباحثين لأفكار ومقترحات الهندسة الجغرافية. وكان أمل المؤتمرين أن تكون المعايير والتطبيقات التي يتم الاتفاق عليها، بمثابة خريطة طريق من أجل التوصل إلى معايير دولية ملزمة في مجال هذه الأبحاث. كما يلاحظ الانتقال الملحوظ من النظر إلى الهندسة الجغرافية باعتبارها مجرد خيال علمي، إلى استراتيجية علمية جديدة قابلة للتطبيق العملي في مجال التصدي لخطر التغير المناخي، على حد قول جاميس كاسكيو –الباحث في المستقبليات البيئية، والزميل الباحث بمعهد الدراسات المستقبلية في بالو ألتو بولاية كاليفورنيا-. كما يلاحظ إصدار "الجمعية الملكية" وهي أرفع جمعية علمية بريطانية، دراسة علمية متعمقة عن الهندسة الجغرافية مؤخراً. وفي الوقت نفسه، يجري كل من الكونجرس الأميركي والبرلمان البريطاني دراسات حول هذا العلم الجديد. والحقيقة أن الأنشطة البشرية قد تسبب سلفاً في الإخلال بدرجات حرارة الأرض نتيجة لتزايد انبعاث الغازات المسببة للاحتباس الحراري. وبالنتيجة يرجح العلماء أن ترتفع درجات المناخ العالمي بضع درجات حرارية خلال القرن الحالي. ولمواجهة الآثار الخطيرة لتسارع ارتفاع درجات حرارة المناخ العالمي، يعمل قادة العالم السياسيون من أجل التوصل إلى اتفاقيات من شأنها الحد من ارتفاع الغازات المسببة للاحتباس الحراري. كما بدأت تنظر حكومات الدول في إمكانية التكيف مع عالم ترتفع درجات حرارته، بما لهذا الارتفاع من تأثيرات كثيرة مصاحبة، منها مثلاً التغيرات في نمط هطول الأمطار، وما يرتبط بذلك من تغير في دورات الجفاف والفيضانات، وشدة العواصف والأعاصير، وارتفاع مستويات سطح البحر. غير أن الهندسة الجغرافية –أو هندسة المناخ- تمثل طريقاً ثالثاً في محاولات الحد من الآثار المدمرة للتغير المناخي. ولكن ما أن تصل المناقشات بين الباحثين والعلماء إلى مرحلة البدء العملي في تطبيقها، حتى تراهم يركزون على نقطتين أساسيتين: يجب ألا ينظر في الأفكار والمشاريع الممكن تطبيقها في مجال الهندسة الجغرافية إلا بعد دراستها بكثير من الحرص والحذر، على ألا تكون هذه التطبيقات إلا خياراً أخيراً وبعد أن تصبح الآثار الكارثية للتغير المناخي واضحة ومحسوسة. أما النقطة الثانية التي يركز عليها العلماء والباحثون، فتتلخص في ألا تكون تكنولوجيا الهندسة الجغرافية بديلاً لخفض انبعاث الغازات المسببة للتغير المناخي بأية حال. وبهذا المعنى، فهي مجرد حل جزئي ومكمل للحلول الأخرى. ورغم هذا الحذر والتحفظات، هناك من البيئيين من يصعب إقناعه بتطبيق تكنولوجيا الهندسة الجغرافية. فعلى سبيل المثال، وصفت جمعية المحافظة على الطبيعة السويدية، الهندسة الجغرافية بأنها ترقى إلى "القرصنة الجغرافية" في حقيقة الأمر. ويقول مسؤولون من الجمعية المذكورة إنه ليس هناك ما يبرر ثقة حكومات شعوب الدول الأفريقية والآسيوية وأميركا اللاتينية، في أن تعمل حكومات وصناعات وعلماء الدول ذات النصيب الأكبر في انبعاثات غازات ثاني أكسيد الكربون وغيره من الغازات المسببة للاحتباس الحراري، في إبداء الحرص على حماية مصالح الدول الفقيرة. يجدر بالذكر أن الخطط الرامية إلى إحداث تغيير في التغير المناخي بواسطة التدخل التكنولوجي، تنقسم إلى قسمين رئيسيين. يهدف أولهما إلى خفض كمية الإشعاع الشمسي الساقط على الأرض وغلافها الجوي، ويطلق عليه أحياناً مصطلح إدارة الإشعاع الشمسي. فالمعروف أن الأرض تمتص نسبة 70 في المئة من الإشعاع الشمسي، بينما تتوزع نسبة الـ30 في المئة المتبقية بانعكاسها في الفضاء. وفيما لو تمكنت التكنولوجيا الجديدة من خفض نسبة 1 في المئة فحسب من الإشعاع الشمسي الساقط على الأرض، فإن من شأن ذلك أن يؤدي إلى خفض درجات حرارة كوكبنا بمعدل كبير للغاية. أما القسم الآخر منها فيتعلق بإزالة ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي. غير أن هناك صعوبات وتحديات كبيرة تقف أمام تطبيق هذه الأفكار الهندسية الجديدة. ------ جريجوري إم. لامب كاتب أميركي متخصص في الشؤون العلمية ------ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"