في ولاية البنجاب الغربي، توجد مدينة نائية ومنقطعة عن العمران، تسكنها قبائل شديدة الفقر يطلق عليها مدينة" نكسال". وفي عام 1964، حملت عدة قبائل كانت تعاني من الفقر الشديد وعدم المساواة الاجتماعية، السلاح احتجاجاً على انعدام العدل والتمييز اللذين كانوا يواجهونهما على أيدي السلطات الحكومية القائمة في"كلكاتا" عاصمة ولاية البنجاب الغربي. واستلهم هؤلاء الثوار في ذلك الوقت نموذجهم من العقائد الإيديولوجية "اليسارية" المتطرفة للزعيم الصيني "ماوتسي تونج"... ومنذ ذلك الحين، بدأت وسائل الإعلام الهندية والمؤسسة الرسمية تطلق على الأشخاص الضالعين في تلك التمردات "النيكساليين" Nexalites (نسبة إلى نكسال) أو الماويين(نسبة لماو تسي تونج). وفي حين ظلت الحكومات الهندية المتعاقبة منغمسة بقوة في محاربة التمرد داخل كشمير بسبب الخلفية التاريخية للموضوع، فإن تلك الحكومات أبدت اهتماماً ضئيلًا - أو عدم اهتمام - بالمقاتلين "اليساريين" المتطرفين من مدينة "نكسال". وشيئاً فشيئا بدأ النشاط المسلح لهؤلاء القرويين ينتشر وينتقل إلى الولايات المجاورة، حيث انضم إليه القرويون العاجزون حتى عن الحصول على قوت يومهم. وبمرور الوقت، نجح "النكساليون" أو "الماويون" في تأسيس ممر يمتد بالطول عبر البلاد بدءاً من ولاية غرب البنجاب في الشرق إلى ولاية "اندرا براديش" في جنوب الهند. ولم يقتصر الأمر على ذلك حيث تمكن هؤلاء الثوار من إنشاء شبكة من الاتصالات بين القرى المختلفة من الشرق إلى الغرب، وهو ما كان يتيح الفرصة لتنقل كوادرهم المخلصة، ونقل أسلحتهم وذخائرهم ومتفجراتهم بسهولة شديدة. واليوم أصبحت المشكلة "الماوية" في الهند، تنافس التمرد والعنف في كشمير من حيث الاهتمام والبروز، بل وتمثل تهديداً قاتلًا للأمن الهندي. ولتبيان مدى خطورة تلك المشكلة، يكفي أن نعرف أن عدد رجال الأمن الذين لقوا مصرعهم في هجمات وحشية شنتها تلك الجماعات خلال الشهرين الماضيين فقط قد بلغ 100 شرطي. والفقر الشديد في المناطق النائية التي تسكنها القبائل يوفر مدداً لا ينضب من المجندين لتلك المجموعات المتمردة. والماويون يقولون علنا إنهم يقاتلون من أجل حقوق أبناء الشعب التي حرّمتها الحكومات عليهم بسبب نظام الطبقات المعمول به في البلاد. وهم يقولون إن قتالهم الرئيسي هو ضد الحكومة، التي توسع الهوة بين الفقراء والأغنياء، وتقف إلى جانب رجال الصناعة وكبار رجال الأعمال، وتعينهم على الاستيلاء على أراضي الفلاحين الفقراء التي ورثوها عن أجدادهم، والتي تتميز بخصوبتها وباحتوائها على الكثير من الثروات المعدنية الطبيعية، وأنه لا شأن لهم بالشعب الهندي. ونظرا لحساسية هذه المسألة، والتداعيات السياسية والاجتماعية التي يمكن أن تنتج عنها، أبدت الحكومة الهندية حذراً واضحاً في التعامل مع رجال حركة النكساليين والماويين. مع ذلك ونظراً لإدراكها لدرجة الإلحاح التي يجب أن يتم التعامل مع التهديد "الماوي"، قامت قوات الحكومة في الآونة الأخيرة، بشن هجمات مسلحة ضد معاقل النكساليين والماويين وبغرض تمزيق الممر النكسالي المذكور. مع ذلك فإن المناطق التي لا تزال خاضعة لسيطرتهم تعد ضخمة للغاية حتى بعد الأراضي التي استردتها منهم الحكومة من خلال عمليات عسكرية، فقدت خلالها العديد من الخسائر المادية والبشرية على حد سواء. في الأسبوع المنصرم فقط لقي 31 ضابط أمن، وبعض المدنيين مصرعهم، عندما فجر الماويون حافلة في منطقة غابات تقع في ولاية "شاتيسجار". وفي الشهر الماضي، وفي واحدة من أكثر العمليات جرأة، ذبح الماويون 76 رجلاً من رجال الأمن في نفس المنطقة، وهي عملية هزت الحكومة وأظهرت بوضوح جسامة التهديد الذي يشكلونه. في أعقاب تلك الهجمات، احتدم سجال في الساحة السياسية حول ما إذا كان من الممكن التعامل مع المشكلة الماوية على أنها مشكلة تتعلق بالخروج على النظام والقانون، وحول الطرق، التي يمكن استخدامها في مواجهة التهديد الماوي وأكثرها من حيث الفعالية. وفي هذا السياق طلب"تشيدامبارام" وزير الداخلية الهندي، منحه المزيد من الصلاحيات من جميع الأحزاب السياسية، حتى يتمكن من التعامل مع هذا الموضوع بفعالية. كما طلب موافقة من البرلمان للرصد الجوي للمناطق التي يسيطر عليها "الماويون" بغرض مراقبة أنشطتهم وتحركاتهم. كما طلب حزب "بهاراتيا جاناتا" الهندوسي المعارض من الحكومة القيام بعمليات مسلحة حاسمة ضد "الماويين"، الذين وصفهم بأنهم يمثلون تهديداً لأمن وسلامة البلاد ككل. على العكس من الإرهاب، تعتبر "النكسالية" ظاهرة محلية بحتة، لذا من الأهمية بمكان أن تتم معالجة أسبابها الجذرية بدلًا من الاستخدام غير الناجح لسطوة القوات الأمنية في قمع الحركة والتعرض لخسائر بشرية فادحة. يجب معالجة هذه المشكلة من خلال مبادرات اجتماعية وتنموية، في مناطق القبائل النائية والمتخلفة التي يحرم فيها السكان من أبسط الخدمات اليومية اللازمة للعيش. صحيح أن المبادرات الاجتماعية والتنموية، لا يمكن أن تُنجز ما لم يتم التوصل أولا إلى تفاهم بين الحكومة والمتمردين للسماح للوكالات الحكومية بالدخول للمناطق الواقعة تحت سيطرة "الماويين". وقد مد وزير الداخلية يده إلى القيادة "الماوية" من خلال دعوتها لمائدة المفاوضات، فبعد الهجمات الأخيرة عرض "تشيدامبارام" الدخول في مباحثات مع "الماويين"، إذا ما قاموا بتعليق أعمال العنف لمدة 72 ساعة فقط. ولكن هذه المقاربة لم تسفر عن تحقيق أي نتيجة حتى الآن، وهو ما يعني أنه لا يوجد لدى "الماويين" اهتمام كبير بالدخول في مباحثات. فكبير القادة "الماويين" كيشنجي" رفض العرض المقدم من الحكومة لإجراء مباحثات مشروطة قائلًا إن على الحكومة أولاً إيقاف العمل المسلح ضد القبائل. إن حكومة الهند تدرك أن الوقت قد حان لمعالجة المشكلة النكسالية بفعالية، وهي المشكلة التي نمت وتحولت لجرح نازف في جسم الهند لعقود طويلة. ولكن على ما يبدو أن الحكومة الهندية لا تزال في ورطة لا تعرف فيها هل تتعامل مع أصحاب هذه المشكلة كأعداء أم كأصدقاء.