في وسط هذه الموجة من العداء للإسلام التي تجتاح أوروبا ثقافيّاً بتشويه الإسلام والسخرية منه، يعطي بعض المسلمين الشواهد بأيديهم لهذه السخرية، ويعرون صدورهم لهذا العدوان الثقافي. فقد تناقلت الأنباء عن قيام جماعة في ماليزيا للدفاع سياسيّاً وإعلاميّاً عن تعدد الزوجات والدعوة إليه. ونقلت أجهزة الإعلام صور الرجال جالسين في خيم، متكئين على مساند -ربما تنقصهم النارجيلة والبخور- وزعيمهم رافعاً رجلا وثانيّاً أخرى، والسعادة على وجوههم، والنساء يجلسن بجواره متربعات على مساند أقل سمكاً، منقبات ومحجبات، والجدية على وجوههن، سعادة أو شقاء، وكأن هذا تنفيذ لشريعة الإسلام، وتحقيق لمطالب المسلمين. وبهذه الطريقة أصبح الاستثناء، وهو تعدد الزوجات، وكأنه قاعدة، وأصبحت القاعدة، الدفاع عن الحمى ومقدسات المسلمين ضد احتلال فلسطين وتهويد القدس، وكأنها هي الاستثناء، بكل أسف. والإعلام الغربي سعيد -طبعاً- بإذاعة هذه الأنباء، ونشر هذه الصور. فهو ما يبحث عن مثلها ويحقق بها مقاصده في الاستمرار في تشويه الإسلام، وبيان أنه دين ما زال يعيش في العصور الوسطى في ثقافة حديثة حرمت تعدد الزوجات، وإن لم تحرم تعدد الخليلات! فما الدافع على هذا المسلك، يا ترى؟ هل العنوسة مثلاً مشكلة في ماليزيا؟ أو أن عدد النساء أكبر من عدد الرجال مثلما وقع في ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية؟ أو لانتشار العقم ورغبة الرجال في الذرية؟ هل يريد الرجل، في هذه الحالة، حل مشكلة وفرة النساء مثلا؟ وهي علامة من علامات "الساعة" باختيار أخف الأضرار، على اعتبار أن الضرورات تبيح المحظورات؟ أليس تعدد الزوجات في حالة زيادة عدد النساء على عدد الرجال أفضل من أن يبقين بلا أزواج في حياة العنوسة أو الزواج الحر أو العلاقة الجنسية على المشاع؟ هل هو خضوع المرأة للرجل وللمجتمع وعدم تعودها على المعارضة والدفاع عن حقوقها، ورفض الزوجة الأولى أن تأتي بضرة عليها، ورفض الزوجة الثانية أن تأتي ضرة على الأولى؟ أم هل هي مصلحة الرجال ورغباتهم المزاجية، فمن من الرجال لا يود أكثر من امرأة على نحو شرعي ما دام عهد طرق التملك القديمة قد انتهى؟ هل العاطفة والمزاج الآن عند المسلمين هما القضية؟ هل المزيد من الإشباع الجنسي اليوم هو المطلب؟ هل الإسلام فردي شخصي إلى هذا الحد، أم أن الإسلام مطالب اجتماعية واقتصادية وسياسية لتحقيق مصالح الأمة والمجتمع؟ هل الإسلام تصور جنسي للعالم؟ وماذا عن القضايا الاجتماعية والسياسية، الفقر والوحدة الوطنية في بلد به ملايين الفلاحين وآلاف من القبائل والأعراق، ترقص وتغني وتبحث عن مجال لها يضمها إلى فضاءات أكبر كي تكون أكثر عزة وقوة وخطوة؟ فما زالت البطالة والفقر من القضايا الاجتماعية الرئيسية في البلاد. ما زال السلام الاجتماعي هو المطروح على الحياة السياسية. ما زالت العلاقة بين الماليزيين والهنود والصينيين قنبلة موقوتة وخطراً على الوحدة الوطنية حتى لا يتكرر ما حدث من انفصال سنغافورة عنها في أوائل السبعينيات بعد مظاهرات الأغلبية الصينية والتصويت على الانفصال بتأييد من الأمم المتحدة. إن الخطورة الآن هي على نهضة ماليزيا بعد أن بلغ معدل التنمية فيها أكبر المعدلات في العالم بعد الصين. فقد أصبح يُضرب بها المثل كنموذج للتنمية الصناعية بعد أن خرجت من العالم الثالث وانضمت إلى الدول الصناعية الجديدة، وأصبحت نموذجاً للنهضة الآسيوية، فهي من أكبر الدول التي تحظى بالاستثمارات الأجنبية من الشرق ومن الغرب، ومن أكبر الدول التي لديها فائض في الإنتاج. لقد انشغل الحزب الحاكم في العقود الأخيرة AMNO بتجميع القوى الاجتماعية المختلفة في تنظيم سياسي واحد كما فعل كثير من التجارب في العالم الثالث، مصر مثلا في "الاتحاد الاشتراكي"، ليقود تجربة التنمية. وانشغل الحزب بالتنمية أكثر مما اشتغل بإعادة بناء الموروث الثقافي كي يواكب التنمية ويكون سنداً لها. وعاشت ماليزيا أبنية فوقية متقدمة في الزراعة والصناعة والتجارة. وأبنية تحتية تقليدية في التصور للعالم والعلاقات الاجتماعية وقوانين الأحوال الشخصية. صحيح أن ماليزيا أنشأت IKIM وهو معهد الفهم الإسلامي من أجل أن يكون سنداً للتنمية. وليمدها بدراسات حديثة عن الإسلام والبيئة، الإسلام والتصنيع، الإسلام والزراعة، الإسلام والمياه، الإسلام والتنمية. وهو الذي وضع خطة ماليزيا 2020 التي يقلدها كثير من الدول. فلا تقدم بلا تخطيط، ولا تنمية بلا رؤية مستقبلية، ولا تنفيذ أو تحقيق لشيء منها إلا بنخبة واعية وجماهير محتشدة. ومع ذلك لم تواكب مشاريع التنمية مشاريع أخرى لإعادة بناء الموروث الثقافي حتى لا تحدث انتكاسة في حالة ما أصيبت مشاريع التنمية بأزمات خارجية، مثل الأزمة المالية العالمية، وانخفاض العملة الماليزية إلى درجة الثلث أو بأزمات داخلية، اختفاء القيادة الكاريزمية المممثلة في مهاتير محمد، أو حدوث قلاقل سياسية داخلية تمس جوهر الائتلاف الحاكم بدعوى الديمقراطية والتعددية الحزبية والحرية السياسية. وكيف يتفق ذلك كله مع نهضة الشرق الآسيوي، وأن مسار التاريخ يتحول إليه، من الغرب إلى الشرق، بعد أن بدأ في الماضي البعيد من الشرق إلى الغرب؟ إن تكوين جمعية للدعوة إلى تعدد الزوجات والسعادة بذلك إنما يؤكد شبه الغربيين على الإسلام والمسلمين، بالنسبة لوضع المرأة في الإسلام، وخاصة قضايا تعدد الزوجات، والحجاب والنقاب. ويلغي اجتهادات فقهاء تونس في منع تعدد الزوجات، واجتهادات فقهاء مصر في ضرورة أخذ موافقة الزوجة الأولى وإلا وقع عليها الضرر، وأصبح من حقها المطالبة بالطلاق. إنه خطوة إلى الأمام، وخطوة إلى الخلف. وكيف نفخر نحن في الوطن العربي بالإسلام الآسيوي إذا ما تعثرنا، وحارب بعضنا بعضًا، وكفر بعضنا بعضاً، ونعتز بالإسلام الآسيوي المتحضر الذي يقوم على الألفة والتراحم والوفاق؟ إن تعدد الزوجات هو من باب الضرورات التي تبيح المحظورات. وصيغته في القرآن الكريم شرْطية. ويتعلق جواب الشرط على فعل شرط مستحيل وهو العدل بينهن. وقد وقعت الغيرة بينهن في حياة الرسول الأكرم، صلى الله عليه وسلم. ومهما حاول الدعاة قديماً وحديثاً تبديد هذه الشبهات إلا أن الموضوع نفسه تاريخي خالص. فقد أتى الإسلام إلى مجتمع كان فيه الزواج والعلاقات الجنسية بلا حد أقصى، وبأشكال متعددة. منها ذكر لعدة إناث، وأنثى لعدة ذكور. فأتى الإسلام وهذبها وجعلها أربعاً كحد أقصى وفي شروط معينة على طريقة الإسلام في التدريج من أجل إحداث تغير اجتماعي فعلي في مجتمع قبلي تتحكم فيه العادات والتقاليد. فطريق التطور من تعدد الزوجات إلى الزوجة الواحدة ليس فقط بسبب صعوبة الحياة المادية التي لا تسمح بتعدد الزوجات وإلا كان الأغنياء أقدر، ولكن بسبب استحالة تقسيم العواطف الإنسانية بالتساوي بين الناس. فالكيف غير الكم. وإذا أمكن تقسيم الأوقات والأرزاق فإنه لا يمكن تقسيم العواطف والميول. فالدعوة إلى تعدد الزوجات إيقاف للتطور، وعودة إلى الوراء، وفتح جبهات على الإسلام من أعدائه وهو في غنى عنها، وترك جبهات أخرى له في أشد الحاجة إليها، تهويد القدس وضياع فلسطين.