في أواخر العصر العباسي الأول، تبدلت سياسة ضرب النقود، حيث تعددت دُورُ السّكِّ، وما عاد سك النقود خاضعاً للسلطة المركزية في بغداد. وترافق هذا التبدل مع نشوء دويلات إسلامية راحت تضرب نقودها الخاصة بها، وإن استمرت في المحافظة على ذكر اسم الخليفة العباسي ولقبه، إلى جانب اسم الحاكم المحلي، على نقودها. وفي الكتاب الذي نعرضه هنا، وعنوانه "تاريخ النقود في نهاية العصر العباسي خلال فترة بدرالدين لولو"، لمؤلفه الدكتور هشام البساط، محاولة جادة لتسليط الضوء على مرحلة من تاريخ النقود الإسلامية، هي فترة بدر الدين لولو الذي كان حاكماً لإمارة الموصل بين عامي 631 و657 للهجرة، فنقش اسمه على النقود، مجاوراً أسماء آخر خليفتين عباسيين، المستنصر والمعتصم، ثم أسماء الملوك الأيوبيين: الكامل والأشرف والصالح نجم الدين أيوب والناصر يوسف (الثاني)، كما طبعه بجوار اسم سلطان سلاجقة الروم "كيخسرو بن كيقباء"، وأخيراً الحاكم المغولي "منكوقا آن الأعظم". لقد رسم الدكتور البساط في كتابه ملامح شخصية بدر الدين لولو الذي تعددت انتماءاته في عصر متغير، استطاع ببراعة اجتياز مفازاته الخطرة، معاصراً في سنيه الثمانين نهاية الخلافة العباسية، ومُعايشاً غزو المغول والتحول التاريخي الكبير لمواقع السلطة والتاريخ السياسي في الشرق الإسلامي. وقد وُفّق الكتاب في الربط بين تطور سياسة سك النقود وتاريخ لولو الذي كان رقيقاً ثم أصبح مملوكاً لدى نور الدين أرسلان شاه (الأول)، ثم وصياً على ابنه الملك القاهر مسعود (الثاني)، ومن بعده على ولديْ "القاهر" القاصرين. وبعد موتهما أصبح لولو "أتابكاً" على الموصل. وكما يوضح الكتاب، فقد تميز لولو بأهمية دوره وحيويته، كحاكم اتصف بالذكاء والحنكة السياسية، إذ استطاع إقامة علاقة قوية مع المستنصر ثم مع المستعصم، وذكر كل منهما على نقوده الذهبية والفضية والنحاسية حتى سقوط بغداد عام 656هـ. كما حرص على إقامة علاقة قوية مع الملوك الأيوبيين، خاصة الأشرف والكامل، لكن نظراً للصراع الذي نشب داخل البيت الأيوبي فقد تحول لولو إلى "كيخسرو" (الثاني) سلطان سلاجقة الروم وبقي موالياً له ست سنين. لكن خسارة الأخير أمام المغول عام 643 دفعت لولو إلى البحث عن حليف قوي، فكان هذه المرة الملك الناصر يوسف (الثاني) صاحب حلب، فذكر اسمه على نقوده لمدة عام واحد. ثم انتقل عنه إلى الملك الصالح نجم الدين أيوب صاحب مصر ودمشق وذكر اسمه على نقوده أيضاً، مما أثار حفيظة الملك الناصر (الثاني). لكن وفات الملك الصالح عام 647 حلت المشكلة، حيث عاد لولو مجدداً إلى ذكر الملك الناصر يوسف (الثاني) على نقوده، واستمر على ذلك حتى سقوط بغداد ومقتل المستعصم ونهاية الخلافة العباسية. ويهتم الكتاب بتوصيف أحوال ذلك العصر وصراعاته، ويتوقف عند أهم المحطات في حياة بدر الدين لولو وتدرجه في سلم الحكم وتقربه إلى الخلفاء وأهل السلطة. ويتعمق في دراسة نقوده مقدماً بعض الصور الفوتوغرافية لعينات منها، ومقارناً بينها وبين نقود معاصريه. كما يبرز المؤلف جانباً آخر لشخصية لولو، ألا وهو اهتمامه بالعلماء والأدباء والصناع المهرة؛ إذ اشتهر في عهده ابن خلكان صاحب كتاب "وفيات الأعلام"، كما ألف بن الأثير كتابه القيم، "الكامل في التاريخ"، بطلب وتشجيع منه شخصياً. واهتم لولو أيضاً ببناء وترميم المساجد والمراقد الدينية، علاوة على بناء المدارس وكانت أشهرها "البدرية" التي بنى بجوارها مشهداً دفن فيه بعد موته. وقد اختلف معاصرو لولو في تقييمه وفي الموقف منه، حيث كان البعض يرى في سياسته الداخلية معاملة متساوية بين السنة والشعية، لكن كانت له معارضة مستمرة من الأكراد الذين رأى بعضهم أنه "كان ذا ذكاء وحيلة، كثير القتل والتشويه والمؤاخذة". وهكذا كان بدر الدين لولو شخصية سياسية مثيرة للجدل؛ فقد تحول من مملوك إلى وصي ثم "أتابك" على الموصل. وقد تنقل ولاؤه بين القوى السياسية الفاعلة، معتمداً على قوة علاقاته ودهائه السياسي، في عصر متغير وشديد التقلب. إنه بحق كتاب شيق يحركه شغف كبير بدراسة شخصية بدرالدين لولو، في بيئتها السياسية والثقافية والاجتماعية، وفي مراحل حكمها، على ضوء النقود التي ضربت في ذلك الزمن الحافل بالأحداث المتسارعة والمصيرية. محمد ولد المنى ------ الكتاب: تاريخ النقود في نهاية العصر العباسي خلال فترة بدر الدين لولو المؤلف: د. هشام البساط الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية تاريخ النشر: 2010