عندما يسمع المرء عبارة "حرب الفضاء الإلكتروني" تتراءى له على الفور مشاهد من أفلام الخيال العلمي، ويستقر في خياله أن هذه الحرب افتراضية وليست حقيقية. ربما يكون هذا من ضمن الأسباب التي جعلت "ريتشارد إيه. كلارك" مستشار البيت الأبيض السابق لشؤون الإرهاب، والذي يقال إنه أخفق في إثارة اهتمام بوش وكبار مساعديه بخطورة التهديد الذي يمثله تنظيم "القاعدة" قبل الحادي عشر من سبتمبر، يعاني الأمرين في محاولة إقناع كبار صناع السياسة في واشنطن بأن يأخذوا موضوع "حرب الفضاء الإلكتروني" على محمل الجد. وفي كتابه المعنون "حرب الفضاء الإلكتروني: التهديد القادم للأمن القومي وما الذي يتعين عمله بشأنه"، يحذر "كلارك" من أن وقوع 11 سبتمبر إلكترونية قد يكون هو الكارثة التالية، وأن الإدارة الأميركية التي تعتمد اعتماداً كبيرا على شبكة المعلومات الدولية (الإنترنت)، يجب أن تعد نفسها لتلك الحرب. ويرسم المؤلف صورة لما يمكن أن يصبح عليه الحال فيما لو تعرضت أميركا لهجوم إلكتروني، وهي صورة نرى فيها أجهزة كمبيوتر البنتاجون وهي تتعطل ثم تتوقف عن العمل، وأقمار الاتصالات الأميركية وهي تصاب بعمى كامل، ومحطات توليد الطاقة الكهربائية وقد توقفت، وكذلك نظام مترو الأنفاق، والمنشآت البتروكيماوية، وغيرها من مرافق البنية التحتية الحيوية وهي تنفجر وتصاب بشلل كامل. ويتحدث كلارك في كتابه عن القراصنة الصينيين الإلكترونيين الذين ينقبون فعلا في أجهزة الكمبيوتر الخاصة بوزارة الدفاع والكونجرس الأميركيين بشكل شبه دائم، بغية الحصول على معلومات لإلحاق الأذى بأميركا، أو لتحقيق منافع ومزايا ذاتية، وهو ما يفسر في رأيه السرعة المذهلة التي طورت بها تلك الدولة الناهضة منظومات أسلحتها. ويرى المؤلف الآخر المشارك في تأليف الكتاب، وهو "روبرت كيه نييك" زميل مجلس العلاقات الخارجية الأميركي والمتخصص في العلاقات الدولية، أن بكين قد استمدت دروساً بالغة الأهمية من العملية الخاطفة الفائقة التقنية التي نفذتها القوات الأميركية للإيقاع بالرئيس العراقي السابق صدام حسين، فخفضت بناء على تلك الدروس حجم قوات مشاتها، واستخدمت الأموال المتوفرة لتأسيس قوات متخصصة في مجال الحرب الإلكترونية، قادرة على التفوق في أي حرب تخوضها مع البحرية الأميركية. وتهديد الفضاء الإلكتروني، كما يقول المؤلفان، لا يأتي من جانب الصين فحسب، وإنما هناك أيضا كوريا الشمالية وهي دولة فقيرة بدأت تفرد عضلاتها هي الأخرى في مجال حرب الفضاء الإلكتروني، وذلك عندما أرسلت في الرابع من يوليو الماضي فيروسا لمهاجمة المواقع الإلكترونية التجارية والحكومية الأميركية، بما في ذلك بورصة نيويورك للأوراق المالية، والبيت الأبيض ومواقع إلكترونية أخرى في كوريا الجنوبية. ويعتقد كلارك أن تلك الهجمة كانت مخصصة بالأساس للاستطلاع الإلكتروني، أي للحصول على معلومات مهمة تحتاج إليها لتمهيد ميدان المعركة لـ"شن هجوم على كوريا الجنوبية". ويشير المؤلفان أيضاً إلى قيام روسيا بغزو إلكتروني لإستونيا عام 2007، وهو غزو هز أكبر بنك هناك وهو بنك "هانسابنك"، كما عطل الاتصالات والتعاملات التجارية، وحرم الأستونيين من إمكانية "الدخول لكافة الخدمات المختلفة" مما أصاب البلاد بحالة من الشلل. وهذا النوع من الهجمات، كما يقول المؤلفان، يقوم بالأساس على غمر أجهزة الكمبيوتر والشبكات الإلكترونية بفيض هائل من البيانات لا تستطيع التعامل معه، فتصاب بالشلل، وأن روسيا ربما تكون قد طبقت هذا النوع من الهجمات في حربها مع جورجيا، ما قد يفسر الهزيمة المذلة التي تعرضت لها قواتها أمام القوات الروسية الغازية، رغم امتلاكها إمكانيات عسكرية التي كانت تمكنها من الأداء بشكل أفضل. ويتناول الكتاب الهجوم الإلكتروني الذي شنته إسرائيل على شبكة الرادار والدفاع الجوي السورية مما أصابها بالعمى، ولم يمكنها من التصدي للطائرات الإسرائيلية التي شنت في عام 2007 غارة مدمرة على منشأة سورية ادعت إسرائيل أنها نووية. وينهي المؤلفان كتابهما بالقول إنه رغم حقيقة أن أميركا تمتلك قوات فضائية الكترونية لمهاجمة الأهداف الأجنبية، فإنها غير قادرة حتى الآن على تأمين دفاعاتها، لأن إمكانياتها التقنية في هذا المجال لا تخيف أحداً، بل ويمكن أن تعرض البنية التحتية الأميركية لاحتمالات الهجوم من قبل دول مثل الصين وروسيا ناهيك عن كوريا الشمالية. وهما يقولان إن تلك في حد ذاتها حقيقة تدعو الإدارة الأميركية الحالية، لعدم التردد كثيرا -كما فعلت الإدارة السابقة- في دعم إمكانياتها في مجال الحرب الفضائية الإلكترونية، حتى لا تفاجأ بهجوم جديد على غرار الحادي عشر من سبتمبر، أو ميناء "بيرل هاربر"... لكن في صورة فضائية إلكترونية أكثر دماراً. سعيد كامل ------- الكتاب: حرب الفضاء الإلكتروني... التهديد القادم للأمن القومي وما الذي يتعين عمله حياله المؤلفان: ريتشارد آيه كلارك وروبرت كيه. نييك الناشر: إيكو تاريخ النشر: 2010