كان تنصيب أوباما في يناير من العام الماضي ملهماً للعالم بأسره. بيد أن وعد التغيير الذي جعل منه شعاراً أساسياً لحملته الانتخابية، سرعان ما أصبح على المحك. فقد حلت بأميركا والاقتصاد العالمي بأسره أزمة ركود عميق، لا تزال الاقتصادات تتعافى من تأثيراتها السلبية. ثم هناك حرب أفغانستان المتعثرة التي تسير من سيئ إلى أسوأ. وهناك أيضاً أزمة الصراع الحزبي بين الديمقراطيين والجمهوريين. ورغم التغطيات التي حظي بها العام الرئاسي الأول لأوباما، فلا يزال الغموض يكتنف جوانب عديدة من هذا العام. وهذا ما يتصدى لتبديده جوناثان ألتر مؤلف الكتاب الذي نعرضه هنا، "الوعد: الرئيس أوباما". وللقيام بهذه المهمة، فقد اعتمد المؤلف على مداخله الخاصة إلى البيت الأبيض، بغية الخروج بقصة داخلية مستقاة من كبار مسؤوليه. ومن خلال الاستقصاء يحاول الإجابة عن أسئلة رئيسية متصلة بموضوع بحثه: ماذا حدث داخل المكتب البيضاوي في عام 2009؟ ما الذي تمكن الرئيس من إنجازه، وأين أخفق وتعثر؟ كيف يقوم بمهامه أثناء ساعات العمل الرسمي، وكيف تكون حياته خارج المكتب؟ وبين الإجابات التي قدمها المؤلف عن الأسئلة هذه، حديثه عن تمكن أوباما من الإمساك بزمام الأمور في واشنطن قبل بضعة أسابيع من تنصيبه الرسمي. وكذلك تبنيه حزمة إنقاذ اقتصادي للمؤسسات المصرفية والمالية المنهارة. غير أن عثرة أوباما واشتعال نيران الخصومة الحزبية عليه من قبل الجمهوريين بدأتا من هنا بالذات. وإذا ما أضفنا إلى رصيد أوباما الرئاسي معالم وإنجازات رئيسية تحققت في زمن قياسي: خطة الإنقاذ الاقتصادي، وقانون إصلاح نظام الرعاية الصحية، ومشروع قانون إصلاح النظام المالي، والجهود المبذولة لتحسين صورة أميركا خارجياً وإقامة علاقات دولية متوازنة مع بقية الأمم والشعوب، بما في ذلك خطاب القاهرة التاريخي، والتخلي عن شعار الحرب على الإرهاب، والعمل على إقامة جسور التعاون والشراكة مع العالم الإسلامي... فسوف نلحظ مظاهر تجديد واضحة في نهج الإدارة الجديدة. لكن، وكما قال المؤلف، فإن مسار أوباما في عامه الرئاسي الأول، يبدو أشبه بمغامرة كبرى حاول فيها الرئيس شق طريقه بين سقف عال جداً من الآمال والتوقعات، وارتفاع معدلات البطالة والشعور بعدم الأمن الاقتصادي في بلاده. وحسب تقديرات المؤلف، فقد وفق أوباما في التكيف مع الدور الرئاسي بسرعة مذهلة، وتمكن من تحقيق الكثير من الإنجازات التي يصعب تحقيقها. لكنه أخفق في استخدام ذراعه الرئاسية الرافعة ضد البنوك وغيرها من مؤسسات وول ستريت التي كثيراً ما ألقي عليها باللوم في الأزمة المالية الاقتصادية. كما أخفق في الحفاظ على ثقة ناخبيه، بسبب تقصيره في التواصل معهم، خاصة وأن مشاعر الغضب وخيبة الأمل قد سادت بين الكثير منهم. ولما كان أسلوب الكتاب قد جمع بين التقرير الصحفي والكتابة التاريخية القائمة على التقصي ونبش الحقائق، فقد رأى فيه البعض أصدق منظور يمكن من خلاله تقييم العام الرئاسي الأول لأوباما، بينما رأى البعض في الكتاب أنه يسرد القصة الأكثر أهمية في عصرنا الحالي. لكن أليس هناك من يتساءل بين القراء عن سبب صدور أكثر من كتاب حتى الآن عن وعد أوباما ورئاسته، رغم أن ولايته لم يمض عليها إلا ما يزيد على العام بقليل؟ لماذا ينشر المؤلف بالذات كتاباً ثانيا عن أوباما خلال ما يقل عن العامين؟ ربما تكون ثمة مشروعية لهذا النوع من التساؤلات. لكن المؤكد أن كتاب ألتر الحالي يقدم لمحة جديدة مهمة للغاية عن الرئيس الأميركي الرابع والأربعين، بإلقاء نظرة تفصيلية فاحصة لعملية اتخاذه للقرارات في قضايا رئيسية، مثل إصلاح نظام الرعاية الصحية والحرب على أفغانستان... إلخ. ويخلص المؤلف عبر كتابه إلى أن وعد التغيير والأمل الذي قطعه أوباما لناخبيه لا يزال قائماً وقابلاً للتحقيق، رغم المصاعب الكبيرة التي باتت تهدد مصيره ومستقبل حزبه السياسي، في حال عدم الوفاء بذلك الوعد. وحسب تصوير ألتر لشخصية أوباما، فإنه يبدو تارة في ثوب المحارب الذي لا يلين ولا يهدأ له بال حتى ينجلي غبار المعركة، بينما يبدو تارة أخرى في ثوب رجل السلام القادر على ممارسة الضغط على الأصدقاء والأعداء معاً، حتى تعود الأمور إلى نصابها ويحق الحق لأهله في نهاية الأمر. عبدالجبار عبدالله ------- الكتاب: الوعد: الرئيس أوباما المؤلف: جوناثان ألتر الناشر: سيمون أند شوستر تاريخ النشر: 2010