في الكتاب الذي نعرضه هنا للباحث والأكاديمي الأميركي "ساشا بولاكو -سورانسكي"، بعنوان "التحالف المسكوت عنه: علاقة إسرائيل السرية بنظام الآبارتايد"، والذي يفضح فيه العلاقات المريبة التي ربطت إسرائيل بنظام التمييز العنصر في جنوب إفريقيا خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، وما خلفه ذلك من صدى واسع في الصحف الغربية والأوساط الإسرائيلية الرسمية التي سارعت إلى نفي أي علاقة لها بالنظام العنصري في جنوب إفريقيا، يبدأ المؤلف بقصة تكشف كيف يتم تغليب المصلحة المادية على الاعتبارات الأخلاقية في السياسة الدولية، وكيف تمسح الذاكرة آلام الماضي فقط لعقد صفقات تقتضيها المرحلة. الكاتب يروي ما حدث في 9 أبريل 1979 عندما زار رئيس الحكومة الجنوب أفريقي "بالتزار جوهانز فورستر" تل أبيب وعرج على نصب "المحرقة"، حيث جثا على ركبتيه ووضع إكليلا من الزهور بلون علم جنوب إفريقيا على النصب. والحال أن "فورستر"، بالإضافة إلى مدير مخابراته "هيندريك بروج" كانا من الأعضاء المؤسسين لمنظمة مسلحة ساندت خلال الحرب العالمية الثانية هتلر، بل وطلبت منه إرسال بعض أفرادها للقتال إلى جانب القوات النازية... هذه القصة التي يرويها الكاتب ليست سوى الشجرة التي تخفي غابة التعاون الوثيق الذي جمع إسرائيل بنظام الآبارتايد منذ مطلع السبعينيات بينما كان العالم يدين الفصل العنصري ويندد بممارساته ضد الأغلبية السوداء. ولتتبع مسار العلاقة المريبة، يرجع بنا الكتاب إلى التاريخ وتحديداً إلى ما قبل عام 1967 عندما كانت إسرائيل تحظى بدعم دولي واسع، لاسيما في أوساط اليسار كنموذج لانتصار قيم العدالة وحقوق الإنسان التي تعرضت للانتهاك في أوروبا. كما أن هذه الأخيرة، ورغبة منها في التكفير عن الفظائع التي ارتبكت فوق أرضها طوال قرون ضد اليهود، سارعت إلى تبني الدولة الصهيونية الوليدة. وفي تلك الفترة، يقول الكاتب، لم يكن ممكناً تصور أي تحالف أو تقارب بين الحكومات الإسرائيلية التي حاولت الترويج لأطروحتها الإنسانية وتكريس أسطورة الأقلية اليهودية التي نجت من النازية وأفلحت في إقامة دولتها بعد صراع مرير مع المحتل البريطاني، وبين نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا الذي كان محط ازدراء عالمي وتنديد من قبل حركات التحرر. بل إن إسرائيل في الستينيات لم تتوان عن استنكار ممارسات نظام الآبارتايد ونسجت علاقات متميزة مع بلدان أفريقية حديثة العهد بالاستقلال من خلال تقديم مساعدات زراعية، واستضافة قادة أفارقة في تل أبيب. وفي المقابل ردت الدول الأفريقية الجميل بالتصويت لصالح إسرائيل في الأمم المتحدة، بينما كانت الدولة العبرية محط تقدير وإعجاب امتد إلى سود أميركا عبر زعيم حركة الحقوق المدنية "مارتن لوثر كينج" الذي كان أحد أبرز المؤيدين لإسرائيل في تلك الفترة قبل أن تتغير الأمور عندما شنت إسرائيل حرب 1967 وبدأت التوسع على حساب الأراضي العربية، وتحولت من دولة "مهددة" إلى قوة استعمارية، وباتت الصهيونية التي نظر إليها البعض كحركة للتحرر، شكلا آخر من أشكال الإمبريالية الغربية. وقد زاد من ترسيخ هذه الصورة تشبث إسرائيل بالضفة الغربية وإمعانها في الاستيطان. وخلال الفترة التي أعقبت حرب الأيام الستة، لم تنتظر إسرائيل طويلا قبل أن تشرع في التوقيع على اتفاقيات تعاون سرية ذات طبيعة عسكرية مع أكثر الأنظمة وحشية في العالم، بما فيها الديكتاتورية العسكرية في الأرجنتين، ونظام بينوشيه الذي حكم التشيلي بقبضة من حديد، ثم نظام الفصل العنصري بجنوب أفريقيا. والحقيقة كما يقول الكاتب هي أن أساس العلاقة التي قامت بين إسرائيل وجنوب أفريقيا لم يكن مجرد زواج مصلحة فرضته ظروف تاريخية معينة، بل كان كذلك التقاءً للأيديولوجيات وتقاسم لوجهات نظر مشتركة، فقد تسارع التحالف بين الدولة العبرية ونظام الآبارتايد غداة حرب 1973، إذ رغم اعتماد الجانبين معاً في تلك المرحلة على المساعدات العسكرية الأميركية، فإن واشنطن كانت تنأى بنفسها عن الدخول في أحلاف عسكرية معهما، كما أن إسرائيل التي كانت تحتاج صناعتها العسكرية إلى أسواق خارجية وجدت في جنوب إفريقيا التواقة إلى اكتساب أسلحة متطورة بما فيما التقنية النووية ضالتها، وبموجب هذا الحلف السري استطاعت جنوب إفريقيا الحصول على تكنولوجيا الصواريخ الإسرائيلية، فيما زودت هي الدولة العبرية بالمواد الأولية مثل الكعكة الصفراء ومساحة شاسعة لإجراء تجاربها النووية... لكن العلاقة الإسرائيلية مع الآبارتايد لم تقتصر على الفوائد الاقتصادية والعسكرية، بل امتدت إلى العوامل الأيديولوجية، فبصعود حزب "الليكود"، بزعامة "بيجن"، إلى السلطة في عام 1977 تقاربت النظرة الأيديولوجية للطرفين في ظل إيمان شريحة واسعة من النخبة الإسرائيلية بنظرية الأقلية التي تمثل الحضارة الأوروبية ومهمتها في الدفاع عن تلك الحضارة المتفوقة ضد البرابرة المتربصين بها، وهو ما يشير إليه بوضوح محضر الاجتماع الذي استند إليه المؤلف في كتابه مع باقي الوثائق السرية، حيث يكشف كيف عرض بيريز، وزير الدفاع الإسرائيلي في عام 1975، على نظيره الجنوب أفريقي تزويده بصواريخ "أريحا" محملة برؤوس نووية. زهير الكساب ------ الكتاب: التحالف المسكوت عنه: علاقة إسرائيل السرية بنظام الآبارتايد المؤلف: ساشا بولاكو-سورانسكي الناشر: بانتيون تاريخ النشر: 2010