إلى المحتجين اليونانيين الغاضبين: تعتبر بلادكم مهد الحضارة الغربية، وهو شرف يبرره على الأقل الازدهار غير المسبوق قبل 2500 سنة للعقل باعتباره من الملكات الإنسانية الأكثر أهمية وفائدة، لكن ومع الأسف يهدد السلوك الذي أبديتموه خلال الأيام القليلة الماضية بتلطيخ سمعة اليونان كموئل للعقل، فأنتم اليوم تتصرفون بصبيانية بعيدة عن كل منطق، كأنكم خرجتم عن التقاليد العقلانية التي ساهمتم في تأسيسها، ذلك أن الصراخ في الشوارع والتلويح بالرايات والأعلام، فضلا عن رشق الشرطة بمواد متفجرة لن ينفع أبداً في معالجة المشاكل الحقيقية التي تعصف ببلدكم، تلك المشاكل التي تخبرنا أن اليونان لم تعد بالثروة والغنى الذي تريدونه، بل لم تكن أبداً بالغنى الذي سعت حكومتكم إلى إيهامكم به للإيمان بما هو ليس موجودا... باختصار ليست الكعكة الاقتصادية في اليونان كبيرة بما يكفي للاستجابة لجميع مطالبكم وسد كافة احتياجاتكم، وبالطبع لن يفيد الاستمرار في التذمر من هذا الواقع والتعبير عن غضبكم إزاءه في رفع أسبابه، أو توسيع الكعكة ليضمن كل واحد منكم حصته، ذلك أن الموارد والثروة لا تنتجهما الشعارات الجوفاء ولا إنكار الحقائق والامتناع عن رؤية المشاكل، بل لابد من مصارحة الذات ومحاسبتها والنظر إلى المرآة دون خجل أو مواربة. لقد عاشت بلادكم لعقود متعاقبة فوق إمكاناتها الحقيقية، وفيما كانت نسبة الدين العام من الناتج الإجمالي المحلي قبل ثلاثين سنة لا تتعدى 5.34 في المئة، وصلت اليوم إلى 115 في المئة، فقد اقترضت حكومتكم أموالا هائلة لتوفير البضائع والخدمات التي لم تكونوا قادرين على إنتاجها بأنفسكم، بل لم تكونوا قادرين على دفع ثمنها، وليس عيباً أن يقترض الإنسان، لكن عندما يحين موعد الدفع عليه احترام التزاماته، ولا مناص من مواجهة الاستحقاق والجلوس أمام الدائنين. كما أن الإنسان العاقل لا يصرخ في وجه المصرفي الذي أقرضه، أو يحتج أمام البنك الذي يتعامل معه، وباختصار فهو لا يلوم الآخرين لأنه عجز عن تسديد ديونه والوفاء بالتزاماته، والأهم من ذلك لا يطالب الأشخاص الذين لا علاقة لهم بمشاكله ولم يكن لهم أي دخل في قراره شراء وجبة غالية، بمساعدته في دفع الثمن وتسديد الدين. والرجل العاقل يعرف جيداً أنه بامتناعه عن تسديد ديونه اليوم قد يبقي بعض المال في جيبه، لكن لن يكون بمقدوره الاقتراض غداً إذ يضحي بإمكانية الحصول على ديون أخرى مستقبلا، كما يعرف أن سمعته في حمل الآخرين على دفع ديونه سيحد من قدرتهم على التعامل معه في المرات القادمة... وبعبارة أخرى لا يطالب الإنسان العاقل بالمساعدة دون القدرة على تقديم مقابل. وفي معرض الدفاع عنكم، أدرك أن تدفق البضائع والخدمات التي كانت الحكومة إلى وقت قريب تؤمنها لكم بأسعار مناسبة بدت وكأنها تأتي من المجهول، وهو ما دفعكم للاعتقاد الواهم بأنه مهما اقترضت الحكومة واستدانت لتوفير تلك الخدمات فإن لها أساليبها الخاصة التي تختلف عن قروض الأشخاص العاديين، وأنه بإمكانها الاستمرار دون محاسبة. والحقيقة أن المنطق والعقل يخبرانا بأن الحكومة هي مؤسسة بشرية تنطبق عليها القوانين والقيود نفسها التي تسري على البشر. ورغم المظاهر الكاذبة فإن الإنفاق الكبير الذي ميز نمط حياتكم في العقود السابقة جعلكم اليوم أفقر من الماضي بعد استنفاد تلك الموارد واضمحلالها. وفيما أحمل المسؤولية لحكومتكم التي خدعتكم عندما أوهمتكم بقدرتها على الإنفاق دون قيود، فإني في الوقت نفسه ألومكم على معاندتكم الحالية ورفضكم قبول حقيقة الإفلاس الذي وصلت إليه الحكومة بعدما أصبحت خزينتها عاجزة عن تلبية احتياجاتكم. لذا فإن الطريق الوحيد أمامكم هو العمل بجد والادخار أكثر وتبني سياسات عمومية محفزة لخلق الثروة، وفي مقدمتها التخلي عن السياسات الاشتراكية التي أدمنتم عشقها لفترة طويلة، بحيث يتعين احترام الملكية الخاصة وتشجيع الشركات ودعم المنافسة... وباختصار تحتاجون إلى السوق الحرة التي بدونها لن تقوم لكم قائمة. ------ دونالد بودرو أستاذ الاقتصاد بجامعة جورج ماسون الأميركية ----- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"