توقفت في المقال السابق عند العلاقة التي ربطت جهاز الـ"سي آي إيه" برجال الإعلام في بعض كبريات الصحف الأميركية خلال مرحلة الحرب الباردة، وهي العلاقة التي كان لها تأثير كبير في العديد من مجريات الوضع العالمي آنذاك. والذي يقرأ بتبصر تاريخ الـ"سي آي إيه"، يجد تشابهاً بين ما كانت تفعله في مواجهة الشيوعية وما تفعله اليوم في إطار الحرب على الإرهاب. فقد لعب الإعلام دوراً كبيراً لصالح الاستخبارات خلال حرب فيتنام والتي بدأت شرارتها بمعلومة استخباراتية أُريد للإعلام أن يروجها، وهذا تقريباً ما حدث في موضوع الحرب على العراق حيث تم الغزو بناء على تقارير وتحليلات استخبارية حول "أسلحة الدمار الشامل". وقد ذكر جورج تينيت، المدير السابق للاستخبارات الأميركية، في كتابه "في قلب العاصفة... السنوات التي قضيتها في السي آي إيه"، أن تلك التقارير خلت من الأدلة واستندت إلى تفكير خاطئ ومعلومات مستقاة من مزورين، بالإضافة إلى عيوب كثيرة كانت تعاني منها تلك التحليلات والتقارير التي تقدم لصناع السياسة. وثمة دراسات أظهرت أن تاريخ الـ"سي آي إيه" يميل إلى صناعة التقارير التي تحث صناع السياسة ومتخذي القرار على دخول الحروب. وقد أقامت الوكالة سجوناً سرية أثناء الحرب الباردة في ألمانيا واليابان وبنما، لانتزاع الاعترافات ممن تشتبه بهم، وأجرت تجارب على الاستجواب مستخدمة تقنيات غسل الدماغ ووسائل أخرى للسيطرة على الذهن البشري. وحسب الكاتب "تيم واينر"، فإن الوكالة استمرت في تجربة الهيرويين والاميفتامينات والحبوب المنومة وعقار "الإل. إس. دي" وغير ذلك من وسائل استجواب عالية القوة. وذلك نفسه تقريباً ما جرى بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر وغزو أفغانستان والعراق، حيث أقامت الوكالة مثل تلك السجون السرية في العديد من الدول لانتزاع الاعترافات من أشخاص لم تسمح لهم بإظهار براءتهم أو بحق التكلم في محكمة علنية بعد أن نقلتهم إلى جوانتانامو. وحسب ما جاء في شهادات بعض المعتقلين السابقين، فقد تضمن جدول المعاملة، بالإضافة إلى الضغوط الجسدية القوية، ضغوطاً معنوية ونفسية لا تقل وطأة. بل يقال إن العديد من التجارب أُجريت على المعتقلين بهدف الحصول على إجابات. وفي سبيل ذلك تم استخدام بعض الطرق والوسائل؛ مثل العقاقير التي تسيطر على الذهن البشري والشبيهة بنظيرتها المستخدمة خلال الحرب البردة. لكن التشابه يبدو أكثر وضوحاً في العلاقة مع وسائل الإعلام، حيث اطلعت الصحافة والإذاعة والفضائيات بدور أساسي في الحرب السياسية والنفسية ضد الأيديولوجيا الشيوعية. ولعب "راديو أوروبا الحرة" و"راديو ليبرتي" و"مجلس الحرية الثقافية"... أدواراً مهمة في هذا التوجه، بالإضافة إلى المجلات ذات النفوذ وبعض المؤسسات والشركات الوهمية والمنظمات المرتبطة بها... وهذا أيضاً ما حدث بعد اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر حيث تم إنشاء مكتب إعلامي خاص في البنتاجون، كانت مهمته تغذية وسائل الإعلام التي اصطنعتها الوكالة لنفسها، والاستعانة بمجموعة من الكتاب لخدمة ذلك الهدف. ويلاحظ أن الوكالة دعمت العديد من نظم الحكم الديكتاتورية، مثل: نظام موبوتو الذي حكم زائير ثلاثة عقود، وكان شديد الفساد والقسوة على شعبه. ونظام الجنرال "رفائيل تريخيو" الذي حكم جمهورية الدومينيكان ثلاثين عاماً، ولم يتردد في تصفية خصومه السياسيين. هذا وتمثل الحرب على الإرهاب انقلاباً على فكرة "الجهاد الإسلامي" التي ساندتها المخابرات الأميركية ودعمتها منذ خمسينيات القرن الماضي، تنفيذاً لدعوة إيزنهاور للقيام بكل ما هو ممكن لتسويق فكرة "الجهاد" ضد الشيوعيين والتشديد على قدسية الحرب.