لا خلاف على "الإنسان" في أي مكان كان وزمان، الإنسان المتفق على إنسانيته البعيدة عن الأحكام الفكرية المسبقة سواء كانت من "جيب" البشر أم مما أوصت به الشرائع السماوية والموروثات التي لا تخلو منها المجتمعات. في المقابل من يتفق مع "الفكر" أي فكر، قد تتوافق شريحة في المجتمع على نوع ما يسود الإنسانية فترة ولكن سرعان ما يخبو لفترات أو حتى يختفي من الوجود. مع ذلك، يندر الإجماع على فكر واحد إلا بقوة الحديد وسلطان القانون وهو كذلك لا يدوم وإلا لما ثارت شعوب من أجل تصحيح مسارات الفكر السائد أو البائد. فالعالم إذا أراد أن يستقر، فعليه اتخاذ "المذهب الإنساني" في تحفيز الآخرين للتمسك بهذا التوجه الذي يمكن الوصول به إلى درجة الإجماع دون الدخول في مماحكات الأفكار التي تتصارع، ونهاية ذلك دائماً تأتي على حساب هذا "الإنسان" الذي يراد أن يكون محور الكون في كل القضايا التي تثير الخلافات المميتة والسجالات السقيمة والمردود الصفري. فالمذهب الإنساني يتوافر على قيم راقية وسامية عن الأهواء الفردية والمصالح الذاتية، ففي الصراعات الدولية، يجب إبراز الدبلوماسية بدلاً من الحرب لفض النزاعات البينية إضافة إلى إرساء مبدأ التسامح إلى أبعد الحدود والعابرة للجغرافية المصطنعة، بدلاً من العداء مع الآخر، وينضم إليهما "تقديس" واحترام وتقدير الخصوصيات الثقافية لكل مجتمع كنوع من إعلان شأن الكينونة الإنسانية التي تختلف بصماتها البيولوجية والنفسية من فرد إلى آخر وهو ما ينطبق على كل مجتمع ولا ضير في ذلك إذا كنا نسير ضمن "المذهب الإنساني" القديم والمتجدد وفقاً لاحتياجاتنا الآنية والمستقبلية. أما الوسيلة التي يمكن من خلالها بث النفحات الإنسانية في عروق المجتمعات، فهي متعددة ومتنوعة ومتاحة للبشرية، فالسياسات التعليمية والإعلامية والثقافية يمكن أن تنبع من ثنايا أفكار المذهب الإنساني التي تقوم على محورية أن الإنسان هو الإنسان في كل مكان بغض النظر عن الاختلاف في الجنس واللون والدين والثقافة، لأن هذه العناصر تابعة لنشأة الإنسان الفرد كل في مجتمعه الخاص، فهي لاحقة ولصيقة به دون أن تكون معرقلة لمسيرته الإنسانية في الكون. قبل عقود طرح على الساحة العالمية مشروع تحويل منظمة الأمم المتحدة إلى "حكومة عالمية" تهتم بالإنسان أولاً في كل مكان، ودارت سجالات حول الحقوق السيادية للدول والخطوط الحمراء التي تتداخل أثناء التنفيذ العملي لبعض الأنظمة والقوانين التي تحمي "الإنسان" من السقوط تحت عجلة "الآلة" الفكرية للبعض الذي يستغل الفكر لمجرد إدانة الجوهر النفيس لهذا الإنسان العالمي. ولكن الحراك العالمي لم ينجح لتحقيق هذا الحلم، لأن العقبات الفكرية والمسيسة حالت دون هذا البعد الحضاري لامتداد الإنسان في الكون. وبعد تلك المدة، وغياب الرشد الفكري عن ذاك المسار الإنساني، يأتي طرح نظرية "المذهب الإنساني" ليؤدي الدور المفقود، ولكن بعد فوات الأوان، عندما طفح فكر التطرف بكل ما أوتي من حدية العناد وأصاب الكثير من المجتمعات في أعز ما تملك من مبادئ الحرية والعدالة والمساواة وغيرها من القيم الإنسانية المشتركة والتي على أساسها يمكن البناء السليم، وبغير ذلك المذهب الذي يرفع من قيمة الإنسان ذاته وبكل تجرد، فإن الفكر المتطرف في جانبيه الأصولي والعلماني هو الذي سيتحكم في مصير البشرية إلا بالاتفاق على انتشال هذا الإنسان من براثن فكر المتطرفين من أي طيف كانوا، فالمذهب الإنساني هو العلاج الاستراتيجي لداء انحراف أي فكر نحو التطرف في أبشع صوره.