يعاني العديد من بلدان العالم من تفاوت تركيبته السكانية، التي تحمل مضامين اقتصادية واجتماعية تؤثر بصورة كبيرة على استقرار هذه البلدان وعلى توجهاتها التنموية، مما حدا ببعضها، كأستراليا على سبيل المثال، إلى تأسيس وزارة للسكان. وقد أنيطت بهذه الوزارة الفريدة من نوعها معالجة الترسبات التي تعاني منها التركيبة السكانية هناك، خصوصاً دمج السكان الأصليين في المجتمع الذين يعيشون بصورة شبه منعزلة، وذلك بعد قرون من وصول المهاجرين الأوروبيين إلى الأراضي الأسترالية، إضافة إلى دمج المهاجرين الجدد، باعتبار أستراليا أحد أهم بلدان الاستقطاب البشري في العالم. خليجيّاً، تعاني كافة دول مجلس التعاون من هذا الخلل، حيث انضمت البحرين مؤخراً إلى قطر والإمارات والكويت، إذ أصبح السكان الوافدون يشكلون أغلبية، وذلك نتيجة لمتطلبات التنمية السريعة التي شهدتها دول المجلس في السنوات الماضية. وتعتبر المعادلة الخاصة بالعلاقة بين التركيبة السكانية ومتطلبات التنمية إحدى أهم المعادلات الصعبة التي ستواجهها دول المجلس في العقود القادمة، مما يتطلب وجود أجهزة متخصصة للعمل على تفادي الانعكاسات التي قد تنجم عن هذا الخلل. وفي هذا الجانب أسست دولة الإمارات مجلساً اتحاديّاً للتركيبة السكانية برئاسة الفريق سمو الشيخ سيف بن زايد آل نهيان الذي أصدر قراراً بتعيين المستشار راشد لخريباني النعيمي أميناً عامّاً للمجلس، وهو أحد الكفاءات المواطنة التي تمتلك خبرة كبيرة من خلال شغله للعديد من المناصب المهمة في الدولة. ويشبه المجلس الاتحادي للتركيبة السكانية إلى حد بعيد وزارة السكان الأسترالية، حيث أنيط به وضع البرامج والاستراتيجيات السكانية لمعالجة إحدى أهم القضايا التي يعاني منها المجتمع، والتي بدأت تكتسب أبعاداً مجتمعية ودولية من خلال متابعة المنظمات العالمية لقضايا المهاجرين والأقليات العرقية في مختلف بلدان العالم، حيث تزداد الضغوط الرامية إلى حل تلك الإشكالات، مما يعني أن إقامة مثل هذه الأجهزة المسؤولة عن قضايا السكان تأتي في وقتها المناسب. ولا يدعي أحد أن حل تلك القضايا السكانية متاح بسهولة، فتلك الأمور معقدة بحكم ارتباطها بقضايا اقتصادية واجتماعية وثقافية وإنسانية عديدة، سواء في أستراليا أو في دول مجلس التعاون الخليجي، إلا أن ترؤس سمو نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية، والذي تمكن في السابق بنجاح من معالجة مواضيع على علاقة بهذه القضية، يدعو للتفاؤل في إمكانية حل العديد من القضايا العالقة منذ سنوات، التي رافقت عملية النمو الاقتصادي السريع. ويبدو أن تجارب دول مجلس التعاون في معالجة قضايا السكان تتفاوت على رغم تشابهها، فالبحرين تمكنت قبل سنوات قليلة من حل مشكلة عديمي الجنسية أو "البدون" بصورة نهائية، كما أن الكويت تسير على نفس الطريق بعد أن قررت منح ما لا يقل عن ألفين من "البدون" الجنسية الكويتية كل سنة، إلا أن الحكومة ضاعفت هذا العدد إلى أربعة آلاف في العام الحالي لحل هذه القضية التي أصبحت تؤرق المجتمعات الخليجية. ونظراً لتعدد التجارب الخليجية، فإنه يمكن تبادل الخبرات المتراكمة مثلما هو الحال في مجال العمل والعمال، حيث يتم التنسيق وتبادل الخبرات بين وزارات العمل في القضايا العمالية، مما ساهم في حل العديد من الإشكالات وجنب دول المجلس بعض الإحراجات التي تتعرض لها بشكل دوري في الاجتماعات السنوية لمنظمة العمل الدولية. وضمن القضايا التي لاقت استحسان المنظمات الدولية، تلك المتعلقة بتحسين ظروف العمل والسكن والأجور ومستحقات نهاية الخدمة وخدمات النقل، التي شهدت تطورات إيجابية، وهو ما يشير إلى توفر إمكانيات حقيقية لإيجاد حلول دائمة بفضل الذهنيات المتفتحة التي يتمتع بها القائمون على معالجة القضايا السكانية.