تحيي دولة الإمارات العربية المتحدة بداية الأسبوع القادم، على غرار العديد من دول العالم، الذكرى السنوية لليوم العالمي للامتناع عن التدخين، الذي يحل كل عام في آخر أيام شهر مايو. وتكتسي فعاليات هذا العام أهمية خاصة، في ظل الإحصائيات التي تظهر زيادة مستمرة في عدد المدخنين من الرجال والنساء داخل الدولة، بنسبة 25 في المئة بين الرجال، و2.4 في المئة بين النساء، وهي نسب يمكن أن ترتفع بقدر كبير إذا ما أدرج عدد مدخني الشيشة والآرجيلة، وخصوصاً من بين النساء. وهذه الشريحة من المجتمع، أو شريحة النساء، هي بؤرة اهتمام فعاليات منظمة الصحة العالمية لهذا العام، التي ربطت بين تزايد عدد المدخنات، وبين الممارسات التسويقية لشركات التبغ الكبرى، التي ترى في النساء فئة مجتمعية لم تستغل بعد بالقدر الكافي كمستهلكات مدمنات لمنتجات التبغ. ويأتي إلقاء منظمة الصحة للضوء على هذه القضية مؤخراً في ظل حقيقة أن أية جهود لمكافحة تدخين التبغ، لابد وأن تتضمن استراتيجيات لوقف تزايد انتشار وباء التدخين بين النساء. فمن بين المدخنين حول العالم، البالغ عددهم مليار شخص، تشكل النساء 20 في لمئة منهم، أو 200 مليون مدخنة، وهي نسبة تشهد تزايداً بمعدلات أكبر من معدلات تزايد المدخنين بين الرجال، كون النساء أحد الأهداف الرئيسية لحملات التسويق من قبل شركات التبغ الكبرى، التي تحتاج إلى مدمنين جدد للإحلال محل المدمنين الحاليين، الذين سيتوفون بشكل مبكر بسبب الأمراض الناتجة عن التدخين. وحسب منظمة الصحة العالمية، وبمرور كل ست ثوان ونصف، يلقى شخص في مكان ما من العالم حتفه بسبب التدخين. وتؤكد الدراسات أن الأشخاص الذين يبدؤون التدخين في سنوات المراهقة -كما هو الحال لدى 70 في المئة من المدخنين- ويستمرون في التدخين لعقدين من الزمان أو أكثر، يلقون مصرعهم في سن أصغر بخمسة وعشرين عاماً مقارنة بأقرانهم الذين لم يدخنوا بالمرة. وهذه الوفيات لا تحدث فقط من سرطان الرئ وأمراض القلب -أشهر مرضين يتسبب فيهما التدخين- بل أيضاً من كتالوج ضخم من الأمراض والعلل الأخرى، التي تصيب جسد المدخن من قمة رأسه إلى أخمص قدميه، وتجعل التدخين يأتي في المركز الثاني على قائمة أكثر أسباب الوفيات شيوعاً، متسبباً وحده في مصرع خمسة ملايين شخص سنويّاً. وتشير التقديرات المستقبلية إلى أن التدخين بحلول عام 2020، سيقتل عشرة ملايين شخص كل عام، إذا لم يتم عكس الاتجاه الحالي المتمثل في الارتفاع المستمر في أعداد المدخنين. والغريب أن التبغ هو المنتج أو البضاعة الوحيدة التي تتسبب في مقتل نصف مستخدميها، وهو ما لا يمكن أن تقبله من أي منتج أو بضاعة أخرى. وكل هذا يظهر الحاجة إلى مبادرة الدول الموقعة على إطار اتفاقية التحكم في التبغ، وعددها 170 دولة، بتفعيل بنود هذه الاتفاقية، وخصوصاً تلك المتعلقة بمنع إعلانات التبغ، وسبل ترويج منتجاته، بما في ذلك رعاية الفعاليات والأنشطة. وهذا النهج تضمنته القانون الاتحادي للتبغ في دولة الإمارات، الذي نوقشت بنوده وإجراءاته التنفيذية ضمن مؤتمر خاص استغرق يومين خلال الأسبوع الحالي. ويتضمن هذا القانون بنوداً خاصة، مثل تجريم بيع التبغ لمن هم دون سن الثامنة عشرة، ومنع التدخين داخل السيارة أثناء وجود أطفال أقل من عمر 12 عاماً، مع إعطاء مهلة للمقاهي التي تقدم الشيشة والآرجيلة لنقل نشاطها إلى مناطق وبنايات غير سكنية. وعلى رغم أن مسودة الإجراءات التنفيذية تنص على الأماكن التي لا يمكن تخصيص غرف خاصة للتدخين فيها، مثل دور العبادة، والمدارس، والجامعات، والمستشفيات، والنوادي الرياضية، والأماكن الثقافية كالمسارح والسينما وقاعات الموسيقى، إلا أنه سمح للكثير من الأماكن العامة تخصيص أماكن خاصة للتدخين. وهذا البند من القانون، يلقى حاليّاً معارضة من القائمين على شؤون الصحة العامة في المؤسسات الصحية العامة داخل الدولة مثل هيئة الصحة بأبوظبي، وهيئة الصحة بدبي، ووزارة الصحة. وفي الوقت نفسه يلقى هذا البند تأييداً من المدخنين، وأصحاب المطاعم، والمقاهي، بالإضافة إلى شركات تصنيع وتسويق وبيع التبغ. وحتى بعض المنشآت السياحية، مثل الفنادق، وأماكن الترفيه، تخشى من أن تفعيل منع تام، قد يؤثر على حجم ما ينفقه السائح داخل مبانيها، إذا ما اضطر للخروج منها للتدخين. وفي بعض الحالات، كحالة مستأجري المكاتب والفنادق داخل برج خليفة بدبي مثلا، أعلى مبنى في العالم، يصبح من غير العملي الطلب من قاطني الأدوار العليا النزول إلى خارج المبنى للتدخين، وهي العملية التي قد تستغرق عشرين دقيقة أحياناً. وهذه الاعتبارات الخاصة لا تقنع المؤيدين لتفعيل منع تام وشامل، على أساس أن تطبيق هذا المنع في بعض الدول مثل بريطانيا، أدى في النهاية إلى إقلاع 22 من في المئة من المدخنين عن هذه العادة السيئة، والمميتة غالباً. وبخلاف بريطانيا، نجد أن دولاً مثل أستراليا، ونيوزيلاندا، وكندا، ومصر، وإيران، طبقت منعاً تامّاً للتدخين داخل الأماكن العامة، مع اختلاف درجات تطبيق هذا المنع ومدى الالتزام به بين الدول. وفي ظل فعالية المنع التام في مساعدة الكثيرين على الإقلاع عن التدخين، وبناء على توالي الدراسات والإحصائيات التي تظهر مدى فداحة الثمن الإنساني والاقتصادي لهذه الآفة، يتوقع أن يتم تطبيق المنع التام للتدخين في الأماكن العامة عاجلا أو آجلا، داخل الدولة وبقية دول العالم، لتستريح صدور مئات الملايين حول العالم، ولو لبضع ساعات في اليوم الواحد، من الآثار الضارة لمئات المواد السامة التي يحتويها دخان التبغ.