لعله ما عاد كتاب الألمانية أورزولا شوي "أصل الفروق بين الجنسين"، الذي صدر في سبعينيات القرن الماضي، مهماً في الغرب بعد أن تمكنت المرأة الغربية من تحقيق المساواة مع الرجل، لكن المرأة العربية لا تزال في مرحلة النضال، وربما تساهم أفكار هذا الكتاب في تعريفها بأصل المشكلة، وهو تضخيم دور الفطرة في عدم مساواتها مع الرجل. تبدأ المؤلفة كتابها بهذه المقولة: "نحن لا نولد بنات أو صبياناً، إنما يجعلون منا هكذا!". فنحن من يدرّب ويربي الصغير على أن يكون ذكراً أو أنثى. فالمعروف أن الرجال يثارون بصرياً والنساء سمعياً، لكن هذا الفارق ليس فطرياً وإنما هو اكتساب وتربية، فالأم تثير طفلها بطريقتين، الأولى من خلال إثارته باللمس والبصر، والثانية من خلال تكرار سلوك الطفل نفسه، خصوصاً حين يصدر أصواتا معينة. ولأن الأم أنثى، فإن صوتها وهي تقلد ابنتها يثير انتباه هذه الصغيرة، بينما لا يلفت التقليد انتباه الصغير، بل يتأثر باللمس والأشكال التي تُعرض أمامه. فهذا يطوّر بصره وتلك تطوّر سمعها. بل إن مهارات الصبي تزيد لأنه يسمع صوتاً جديداً، هو صوت أمه المغاير لصوته هو، بينما البنت تسمع نفسها من خلال صوت أمها، فكأنها تجترّ الأصوات لا أكثر ولا أقل. ولو كانت الأم ذكراً، لربما كانت النتائج عكسية. ولأن الأمهات يقضين وقتاً أطول مع الأبناء، فإنهم يحظون بـ"نبع دائم للإثارة البصرية والسمعية والحسية -الحركية والتقبّلية الذاتية". ولأن البنت تنام أكثر من الولد، فإن الأخير يحتك بمحيطه أكثر من البنت النائمة، ومن ثم تزداد فرص الولد في التعلّم. ثم تقول المؤلفة إن سلوك الأم يتبدل بعد الشهر الثالث، فالتودّد إلى البنت يزداد في هذا العمر، فهي تبتسم لها وتقلدها وتهزها وتحملها أكثر. أي تفعل معها كل ما كانت تفعله مع الصبي من قبل. والغرض من هذا هو أن تنشأ البنت على أن تكون اجتماعية وودودة. بينما الصبي في عمر الثلاثة أشهر يُدفع ليكوّن عضلاته، فالأم تعرّضه لمواقف يضطر فيها لاستعمال عضلاته. وفي أمور النظافة يحدث تمييز صارخ، فالبنت يجب أن تتعلم كيف تسيطر على نفسها بسرعة، بينما الصبي أمامه وقت طويل. والأمهات يتسامحن مع الولد الذي يرشح فضلات، بينما هذا سلوك مرفوض من البنت، لأنها تربّى أصلاً لتكون مسؤولة غداً عن مَن هم حولها. ثم يأتي التمييز في الألعاب والألوان، فعلى سرير الرضيعة تعلّق أشياء بنوتية كالدمى والأزهار أو أشياء حيادية كالعصافير والبالونات، بينما توضع على سرير الرضيع الأشياء التي سيستخدمها عندما يصبح رجلاً، كالسيارات والسفن. واللون الزهري للرضيعات والأزرق للرضع. ثم يحظر على الصبيان اللعب بألعاب البنات، بينما العكس مسموح به، فلأن الذكر هو الأعلى، فإنه يُسمح للبنت أن تحاول الصعود إلى القمة الذكورية. ولأن الأنثى هي الأدنى، فغير مسموح للولد النزول إلى مستوى البنات. وتعاد تربية الصبي منذ الشهر السادس، فبعد أن كانت أمه تعامله على الطريقة المقرّبة من خلال اللمس المتكرر والمداعبة والحمل والهدهدة والتقبيل، فإنها تسلك معه الطريقة المُبعدة التي تناسب استقلاليته الفيزيائية التدريجية، من خلال رمي الألعاب بعيداً عنها حتى يبتعد عنها ويتفاعل مع محيطه أكثر. وهذه الطريقة التي لها دور مهم في التطور العام للطفل لا تسري على البنات، بل على العكس، فبعد تجاهل البنت في الشهور الأولى، فإن الأم تقرّبها منها، وتضعها تحت المراقبة والتأثير المباشر، رغم أن الطفل في هذه المرحلة من عمره يحتاج إلى استقلالية أكبر.