يزداد الاتجاه إلى فرض عقوبات جديدة على إيران رغم الاتفاق الذي وقعته مع تركيا والبرازيل في الأسبوع الماضي لمبادلة 1200 كغم من اليورانيوم منخفض التخصيب الموجود لديها بوقود نووي. فقد جاء هذا الاتفاق بعيد توصل الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن وألمانيا (5+1) إلى مشروع قرار بشأن العقوبات الجديدة. ولم تجد هذه الدول، على اختلاف مواقفها، في الاتفاق الثلاثي ما يكفي للتخلي عن مشروع القرار، في الوقت الذي انتقل التراشق إلى مستوى جديد استخُدم فيه ما يمكن أن نسميه "لغة الطبخ والطهو". فقد تحدث أكثر من مسؤول غربي عن زيادة إيران مخزونها من اليورانيوم منخفض التخصيب خلال الأشهر السبعة التي مضت منذ أن قدمت إليها الوكالة الدولية للطاقة الذرية عرضاً لا يختلف كثيراً عن الاتفاق الموُقع في طهران الأسبوع الماضي. ووصف أحدهم ما تفعله إيران، على هذا النحو، بأنها "تطبخ الكعكة وتآكلها"! فكان مخزون إيران حينئذ نحو 1700 كغم من اليورانيوم منخفض التخصيب (بنسبة 3.5 في المائة). وتم تحديد الكمية موضع المبادلة (1200 كغم) على أساس أنها تمثل نسبة 70 في المائة منه. غير أن هذا المخزون وصل الآن إلى أكثر من ألفي كغم، إلى جانب نحو 5 كلغ يورانيوم متوسط التخصيب بنسبة أعلى تقترب من 20 في المائة حسب بيانات المنظمة الإيرانية للطاقة الذرية نفسها. ولجأ وزير الخارجية الإيراني إلى لغة "المطبخ" أيضاً في تعليقه على المضي قدماً في مشروع معاقبة طهران عندما قال ما معناه إن دولتين في مجلس الأمن طبختا الطبخة بعد أن تناول المدعوون الغداء. وليست جديدة حالة عدم الثقة المتبادلة هذه؛ فقد كانت حاضرة في التفاعلات التي اقترنت بالعرض الذي قُدم إلى إيران قبل أشهر. كان هذا العرض يقضي بتسليم1200 كغم من اليورانيوم منخفض التخصيب إلى روسيا ومنها إلى فرنسا لتحويله إلى قضبان وقود نووي قبل إعادته إلى إيران. وقد عبر مسؤولون إيرانيون وقتها عن عدم ثقتهم في فرنسا لأنها نقضت، عقب ثورة 1979 الإيرانية، اتفاقًا للتعاون النووي السلمي كانت قد وقعته مع حكومة الشاه. وكان لسان حالهم يقول إن إيران لا تثق في روسيا أيضاً، لكن حرصهم على عدم استعدائها منعهم من التصريح. وتعبيرا عن عدم الثقة، أيضاً، طلبت طهران تعديل العرض ليكون التبادل متزامناً، بمعنى أن يتم تجهيز الوقود النووي أولا ثم مبادلته باليورانيوم على أرضها، أو أن يحدث التبادل بالطريقة التي اقترحتها الوكالة الدولية، لكن بجرعات صغيرة وفي داخل إيران أيضاً. لذلك، تشك دول "5+1" في مغزى قبول إيران الآن ما رفضته قبل نحو سبعة أشهر، خصوصاً أن استضافة تركيا عملية المبادلة طُرحت من قبل خلال المداولات بشأن عرض الوكالة الدولية. فلم تجد إيران، وقتها، في هذه الفكرة حلا مناسباً، بل عبر بعض المسؤولين فيها عن عدم استحسانهم بحث موضوع المبادلة خارج أراضي إيران في أي سياق. والحال أن أزمة عدم الثقة قائمة بأشكال مختلفة منذ الكشف عن قيام إيران بتخصيب اليورانيوم سراً. غير أن عدم ثقة إيران في المجتمع الدولي لا يكفي لفهم الكيفية التي تدير بها برنامجها النووي وطريقة تعاطيها مع المشاكل التي يثيرها هذا البرنامج مع الغرب. فلو كان الأمر محصوراً في عدم الثقة، لسعت إيران إلى الحصول على ضمانات كافية توفر لها الاطمئنان عندما تلقت عرض الوكالة الدولية بشأن مبادلة اليورانيوم منخفض التخصيب بالوقود النووي الذي تريده من أجل تشغيل مفاعل للأبحاث الطبية. كما أن تركيا كانت قد عرضت منذ أول نوفمبر الماضي أن تكون عملية التبادل على أرضها بدلا من روسيا. وكان بإمكان إيران قبول عرض الوكالة الدولية بشرط تغيير مكان التبادل. لكنها لم تفعل ذلك. ورغم أن خطابها الرسمي يؤكد سلمية برنامجها النووي ويتعهد بعدم السعي إلى عسكرته، فإنها تحافظ على نوع من الغموض يختلف عن ذلك الذي تنتهجه إسرائيل. فهي توجه رسائل مختلفة وتقدم إيحاءات متباينة على نحو يجعل المجتمع الدولي في حال عدم يقين بشأن هدفها الحقيقي. فهل إيران تسعى إلى امتلاك سلاح ذري، أم تستخدم برنامجها النووي لدفع المجتمع الدولي إلى التعامل معها باعتبارها القوة الإقليمية الأكبر في الشرق الأوسط، وإقناع الولايات المتحدة بتقاسم النفوذ معها في هذه المنطقة؟ على كل حال كان موقف إيران تجاه عرض الوكالة الدولية للطاقة الذرية، في الخريف الماضي، دليلا على أنها تناور، إما لكسب الوقت أو لجر أميركا نحو التفاوض معها على توزيع النفوذ في الشرق الأوسط. فقد حمل رد الفعل الإيراني الفوري في ذلك الوقت على عرض الوكالة الدولية معنى الاستعداد للتجاوب معه. وأبدى وفدها الذي تسلم ذلك العرض، مرونة غير معتادة تبين بعد ذلك أنها كانت مدفوعة بعاملين: أولهما تبريد الأجواء وامتصاص التوتر الذي ترتب على كشف منشأة نووية جديدة أقامتها في جنوب قم دون أن تبلغ الوكالة الدولية. وكان كشف هذه المنشأة قد سبق تقديم العرض إليها بأسابيع قليلة. أما السبب الثاني فهو قراءة الآثار التي يمكن أن يتركها تخلي واشنطن، حينئذ، عن خطة الدرع الصاروخية على السياسة الروسية تجاه ملفها النووي. غير أنه لم يمض أسبوعان حتى تبنت خطاباً مزدوجاً استمر لأسبوعين آخرين على الأقل، قبل أن يتبين أنها لا تقبل العرض. ومع ذلك فهي لم تعلن رسمياً رفض هذا العرض بطريقة مباشرة، وإن كان بعض مسؤوليها اتخذوا موقفاً واضحاً ضده. فقد ظل الخط الرئيسي في خطابها الرسمي هو أنها تريد تعديل العرض مع إبداء الاستعداد للتفاوض بشأن هذا التعديل. المناورة، إذن، هي السمة الرئيسية في سياسة إيران النووية التي تنطوي أيضاً على نوع من عدم الثقة في نوايا الغرب تجاهها. ولذلك ربما كانت ثقتها في تركيا والبرازيل عاملا ثانوياً وراء قبول وساطتهما وتوقيع اتفاق 17 مايو الثلاثي. أما العامل الرئيسي فهو، على الأرجح، السعي إلى تأخير العقوبات عبر الرهان على إمكان خلق انقسام دولي جديد يقَّوض التوافق الذي حدث على هذه العقوبات. ولأن هذا الرهان جاء متأخراً، فليس مرجحاً أن تنجح المناورة الإيرانية الجديدة في تحقيق هدفها.