قبل العشرين من أبريل الماضي، ربما لم يسبق لمعظم الأميركيين أن سمعوا بـ"مصلحة إدارة المعادن"، وهي الوكالة الفدرالية التي تشرف على إنتاج النفط والغاز في المياه الفدرالية. لكن اليوم، ومع وصول النفط المتسرب من منصة "ديب ووتر هورايزن" لمواطن الحياة البرية وأماكن الصيد في خليج المكسيك، تواجه "مصلحة إدارة المعادن" أسئلة صعبة حول دورها في الكارثة؛ ذلك أن تقييمها البيئي السريع والمتعجل قلل من شأن احتمالات حدوث بقعة نفط كبيرة، ولم يطالب "بريتيش بتروليوم" بإعداد مخطط واقعي للرد على كارثة محتملة قبل الحفر. في هذه الأثناء، وبينما يعقد الكونجرس جلسات استماع، أعلنت إدارة أوباما نيتها تقسيم "مصلحة إدارة المعادن" إلى وكالتين؛ واحدة تناط بها مسؤولية منح عقود التأجير وتراخيص التطوير، والأخرى مسؤولية فرض احترام معايير السلامة والحفاظ على البيئة. غير أنه إذ كان التقسيم مستحسناً، فلن يكون كافياً لحماية العمال أو البيئات الساحلية الهشة من كارثة أخرى. والأكيد أنها تبدو مقاربة صائبة، لأن زيادة وتكثيف تطوير آبار النفط والغاز يختلف عن حماية سلامة العمال والبيئة، تماما كما يختلف الماء عن النفط. ويقتدي الاقتراح بالنرويج وبريطانيا وأستراليا، وكلها بلدان تتوفر على وكالات مستقلة لفرض احترام معايير السلامة. وعلاوة على ذلك، فقد وعدت الإدارة بأن تطلب من الكونجرس مضاعفة ميزانية "مصلحة إدارة المعادن" الحالية المخصصة لفرض احترام معايير السلامة. غير أن ثمة سببين مهمين لكون الإصلاحات المقترحة لا ترقى إلى ما هو مطلوب؛ أولهما أن "مصلحة إدارة المعادن" ليست مسؤولة لوحدها عن الموافقة على تطوير آبار النفط والغاز. أتتذكرون الدعوات إلى التنقيب والحفر: "احفر يا عزيزي، احفر"؟ لقد كانت أعين الكونجرس والبيت الأبيض وسياسيي الولايات جميعاً على المال الذي يدره استخراج النفط في البحر على الخزائن الحكومية (أكثر من 10 مليارات دولار في عام 2009)، والأمل في تحقيق الاستقلال الطاقي، والمساهمات السياسية لشركات النفط والغاز. والواقع أن الضغط السياسي لإيلاء الأولوية للتطوير السريع للآبار على السلامة لن يزول في حال تقسيم "مصلحة إدارة المعادن"، وذلك لأن الوكالة الجديدة للسلامة ستكون مازالت تابعة لوزارة الداخلية، حيث سيتعين عليها أن تتنافس مع نظيراتها البيروقراطية. والحال أن المصالح البيئية ومصالح السلامة تخسر في هذه المنافسة منذ سنوات؛ لذلك فمنحها اسما وشعارا جديدين لن يغير النتيجة أوتوماتيكياً. ثانياً أن الحماية البيئية ليست مجرد مسألة فرض مجموعة من القواعد أثناء حفر الآبار أو استغلالها، فالأسئلة البيئية الأساسية تأتي قبل ذلك بكثير، عندما تقرر "مصلحة إدارة المعادن" اعتماد تراخيص الاستغلال والتطوير. والواقع أن تقييم معايير البيئة والسلامة يجب أن يكون أكثر صرامة. وفي هذه الأثناء، تقول الإدارة إنها ستسعى لاستصدار تشريع جديد بشأن البقع النفطية يمدد مهلة الثلاثين يوماً الحالية التي تُمنح لـ"مصلحة إدارة المعادن" لدراسة مخططات الاستغلال. وهو أمر جيد في الواقع، لأنه سيتيح وقتا لتحليل الانعكاسات البيئية لتلك المخططات؛ لكننا نشك في أن مزيدا من الوقت كان سيغير القرار بشأن مخطط "بريتيش بتروليوم"، وذلك لأن المخطط اعتُمد بسرعة بدون تحليل بيئي خاص بالموقع، واستنادا فقط إلى حقيقة أن "مصلحة إدارة المعادن" قد أعدت تقريرا حول التأثير البيئي لبرنامج التأجير بصفة عامة. فالمشكلة الحقيقية هي أن التقارير حول التأثيرات البيئية كانت غير كافية على نحو يرثى له. وهو أمر من المستبعد أن يُكتشف، ناهيك عن أن يصحَّح، عند دراسة مخطط استغلال. وبالتالي، فالمطلوب هو تغيير كامل في ثقافة الوكالة. لقد حظر وزير الداخلية عمليات حفر جديدة في عرض البحر حتى نهاية هذا الشهر، ريثما يعد موظفوه تقريرا حول كارثة "ديب ووتر هورايزن". والواقع أنه ينبغي تمديد هذا التعليق إلى أن تعد "مصلحة إدارة المعادن" تقارير جديدة حول التأثيرات البيئية تشمل تحليلا واضحا لأسوأ السيناريوهات الممكنة في حال تشكل بقعة نفط، والتحديات الصعبة لمواجهة انفجار في المياه العميقة. ومن جهة أخرى، ونظراً أنه لا يمكن الوثوق في "مصلحة إدارة المعادن" على ما يبدو للقيام بتحليل بيئي مستقل، فربما ينبغي إسناد هذه المهمة لوكالة تأخذ على عاتقها حماية البيئة مثل "مصلحة الأسماك والحياة البرية" أو "الإدارة الوطنية للمحيطات والجو" أو "وكالة حماية البيئة" (على أن يرافق ذلك نقل للميزانية). إن من شأن تحليل بيئي أفضل أن يسمح بإشراف أكثر فعالية من قبل المواطن. ويستطيع الكونجرس والجهة المراقبة في وزارة الداخلية - مكتب المفتش العام- القيام بمهمة أفضل بخصوص التحقق من الدراسات التي تنجزها "مصلحة إدارة المعادن" بخصوص احترام قواعد السلامة والبيئة. وبالطبع، فإنه لا يمكن لأي وكالة أن تكون معزولة تماماً عن السياسة. لذلك، فإن "مصلحة إدارة المعادن" ستستمر في مواجهة الضغوط من قطاع قوي وحلفائه، بغض النظر عن هيكلتها المقبلة؛ غير أنه ينبغي محاربة هذا النوع من الضغوط على أعلى مستوى. وإلى أن يتخلى الرئيس والكونجرس عن مقاربة "احفر يا عزيزي، احفر"، فسيظل ثمة نفط فوق الماء! إيريك بايبر وهولي دوريمس أستاذان بكلية القانون التابعة لجامعة كاليفورنيا في بيركلي ينشر بترتيب خاص مع خدمة "إم سي تي إنترناشيونال"