استراتيجياً لعبت مصر خلال العقود الماضية دوراً محورياً في الحفاظ على المصالح السياسية العربية عموماً، وما يقال عكس ذلك لا يطابق الواقع. وظلت مصر تمثل عامل استقرار للمنطقة ورمانة ميزان للدول العربية من تدخلات دول الجوار الجغرافي، حتى وإن كانت السياسة المصرية قليلة الفاعلية في بعض الفترات لأسباب مختلفة، إلا أن دول الجوار كانت تضع لمصر حساباً. أكثر من عامل ساعد مصر لأن تكون ذات ثقل عربي؛ منها الامتداد الجغرافي، والثقل السكاني، والمكانة الدولية لسياستها وقدرتها على التأثير. ومعروف أنه كانت هناك محاولات عربية في منافسة الدور المصري ونجحت لفترات بسيطة، لكن سرعان ما كانت تعود الأمور إلى مصر لتمارس دورها ومكانتها ورمزيتها في قلب العالم العربي. وكثيراً ما كان يُعتمد عليها كمرجعية سياسية عربية في حسم الأمور، وربما الدليل الأخير والمثال الأوضح في هذا الموضوع مسألة تحرير الكويت، عندما شق الغزو "الصدامي" الصف العربي، وكان من المستحيل الوصول إلى شرعية عربية، وأذكر وقتها أن الكثيرين وضعوا تصورات لما يمكن أن يحصل، فكان الاستناد إلى الدبلوماسية المصرية وتأثيرها لتحقيق الإجماع العربي، وحصل. البعض يشبه وضع مصر السياسي بالترمومتر أو "القلب" لقياس مدى فاعلية العمل العربي المشترك. ورغم حالة الوهن السياسي العام في المنظومة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، والتي أثرت ذلك على دورها في قضايا من صميم اهتماماتها، مثل ملف القضية الفلسطينية، فإن التجارب أكدت أن دور مصر عربياً من الصعوبة إحلاله بسهولة من الآخرين. وفي هذه اللحظة من تاريخ مصر، فإن السيناريو المطروح أنها ستتجه جنوباً، أفريقياً، وسينصب تركيزها على الحفاظ على سريان مياه النيل دون عرقلة؛ باعتبار أن مسألة المياه بالنسبة لها أولوية أمن وطني، منذ الأزل، وشريان حياة. وما يعطي مصداقية هذا السيناريو الجديد أن هناك مطالب وضغوطات داخلية حول تجاهل مصر لمجالها الحيوي خلال الفترة الماضية خاصة بعد محاولة اغتيال مبارك في أديس أبابا، وكذلك بوجود رغبة من بعض الدول العربية "وبعض الحركات السياسية" في التحرر من "التبعية" لمصر ومن العيش تحت ضغوطها. وقد يتطور الأمر بالنسبة لملف منابع النيل إلى توقع حصول أول حرب على المياه. وإذا كانت هناك تهدئة دبلوماسية من قبل السياسيين المصريين، فهناك في المقابل كلام عن وجود استعدادات عسكرية مصرية لخوض حرب؛ ما يعني أن كل الاحتمالات واردة، لأن المساس بمياه النيل -كما يقول المسؤولون المصريون- يعني إعلان الحرب. والمسألة المهمة هنا، أنه في مقابل ما يعنيه اهتمام مصر بأفريقيا والاتجاه جنوباً للتركيز على مصالحها، سيكون بالضرورة تجاهل لـ"الشرق" وقضاياه، بما فيها الملف الفلسطيني والمحاولات الإقليمية الطموحة لدول الجوار العربي، لأن الساحة العربية ستكون مهيأة لأن تتدخل غيرها من الدول الإقليمية، مثل إسرائيل وإيران وتركيا، وربما دول أخرى لاحقاً لتملأ الفراغ السياسي. ليس من مصلحة القضايا العربية أن تنشغل مصر عن العرب، أو يعمل أحد على إضعافها، أو يروج لعدم الاكتراث بحيوية دورها، فالكل متربص والمنطقة تعيش على صفيح ساخن، وتبحث عن فتيل ليفجرها بالكامل، والكل يتمنى ألا يكون هو هذا الفتيل. ولعل زيارة رئيس الوزراء اللبناني الى واشنطن، والتي سبقتها زيارته سوريا ومصر والأردن، تأتي في هذا الإطار، حتى لا يكون لبنان هو بداية حرب جديدة في المنطقة.