كم من الوقت يهدر في قضايا محسومة، وكم هو محزن أن نجد أنفسنا ندور في دوائر مغلقة، غير قادرين على كسر الحواجز، ونستمر في إهدار تفكيرنا وطاقتنا بأشياء غير مجدية. الجدل العقيم يعيد نفسه مرة تلو أخرى! ففي مصر أصدر مجلس الدولة للقضاء قراره بإجازة تعيين المرأة قاضية. وبعد القرار قام بعض القضاة بإصدار قرار مناهض يرفضون فيه صلاحية المرأة للوظيفة مستندين الى أن المرأة غير مؤهلة! وثارت ضجة كبيرة في الساحة المصرية. وفي الكويت أثيرت ضجة حول رياضة كرة القدم للنساء، واعترض بعض النواب والناشطين السياسيين وبعض علماء الدين على مشاركة المرأة في مثل هذه الرياضة. ونحن نعرف أن المرأة في الكويت تمارس الفروسية ولعبة السلة والطائرة وغير ذلك من ألعاب رياضية، فما هو الفارق بين كرة القدم والرياضات الأخرى؟ في الحالة المصرية يجد المعترضون على أن العلة في العقل لأنهم يرون أن التكوين العقلي للمرأة لا يؤهلها للقضاء بينما نجد أن المرأة تمارس التشريع والهندسة والطيران والطب، فإذا كانت تستطيع إجراء عملية جراحية طبية وتشريح جسم الإنسان، فكيف تخفق في القضاء؟ وإذا كانت ترافع في المحاكم وتدافع عن قضايا الناس، فكيف تكون غير مؤهلة للفصل بينهم؟ أما في الحالة الكويتية فمن يعترض على ممارسة كرة القدم يعتبرها من الكبائر والمحرمات، وهنا يتضح أن هؤلاء تغضبهم الفتنة لأن الكرة النسائية فتنة! والحقيقة أن عقولهم تقول لهم بأن المرأة بأكملها فتنة! وهكذا نجد أن الطاقة والوقت يذهبان هدراً دون محاولة لتحكيم العقل. أين تكمن العلة؟ إنها في الثقافة التي نتربى عليها، فهي ثقافة منحازة للذكور. هذا من جانب ومن جانب آخر نجده في التكوين النفسي والاجتماعي للمرأة، فهي اليوم وصلت إلى مراكز قيادية بل أبدعت في السياسة أكثر من الرجال، فقادت أمماً وحققت نجاحاً مبهراً ولم تؤثر عليها طبيعتها الأنثوية كما يقال لنا. البعض ممن يستخدم الدين كوسيلة لحجب حقوقها عن المرأة، يمارسون الخلط بين الدين والثقافة، ونحن كمجتمعات عربية منحنا بعض التقاليد والعادات لمسات دينية واعتبرنا من يخالفها خارج الدين، كما حدث في موضوع كرة القدم حيث اعتبرت من الكبائر فقط لأنها مثيرة للغريزة لدى هذا البعض، وينسى هؤلاء أن المشكلة ليست في المرأة بل في الرجل الذي لا يريد أن يغير نظرته لوظيفة المرأة باعتبارها إنساناً له حقوق وعليه واجبات، مثلها مثل الرجل. ولعلنا نتذكر أن القانون ساوى بين المرأة والرجل في العقوبات، فمن يرتكب الجريمة توقع عليه عقوبة لا علاقة لها بالجنس. فالمساءلة واحدة للرجل والمرأة، فلماذا نصر على وضعها في دائرة الشبه! الغريب في الأمر أنه في الحالة الكويتية أن هناك عضوات في البرلمان يشرعن للسلطة القضائية وبالتالي يقمن بمهام كبيرة، ومن ثم نجد أنفسنا في تعارض، مما يعني أن هناك تناقضات تشريعية تحتاج من المرأة نفسها تعديل هذه التشريعات للتلاءم مع المستجدات الجديدة، ولنعيد الحياة لنا جميعاً ونشعر بالعدالة والمساواة باعتبارنا مواطنين متساوين. يبدو أن المرأة آن لها أن تدافع عن قضاياها ولا تعول على ثقافة الذكور، وإن كانت تقدمية حيث قيم الذكورة هي من تحكم حتى بين بعض التقدميين.