يبدو المشهد السياسي في منطقة الخليج العربي هذه الأيام مختلفا إلى حد كبير عن ما كان عليه في بداية سبعينيات القرن الماضي. حينها كان "البعث" يحكم في العراق، وكان "الشاه" يحكم في إيران. على الضفة الأخرى، كانت إمارات الخليج، عدا الكويت، تتحضر لانتهاء نظام الحماية البريطاني، والحصول على استقلالها. كانت المرحلة في ملامحها الأولية ذات طبيعة انتقالية: بريطانيا تودع حقبتها في شرق السويس، والولايات المتحدة تتهيأ لاستكمال وراثة الدور البريطاني في المنطقة. من ناحيتها كانت السعودية والعراق وإيران، تتهيأ، كل على طريقتها، لما بعد الانسحاب البريطاني. في المرحلة الحالية، أو في السنة الأخيرة من العقد الأول للقرن الحادي والعشرين، تغير المشهد في المنطقة على النحو التالي: مر على استقلال دول الخليج، وقيام دولة الإمارات كتجربة وحدوية عربية قرابة أربعين سنة. في إيران حل نظام الجمهورية الإسلامية محل نظام الشاه في أعقاب ثورة ذكرت الجميع بالثورات الكبرى مثل الثورتين الفرنسية والروسية. وهي الثورة التي على إثرها قامت أول دولة شيعية تخضع لحكم الولي الفقيه في التاريخ الإسلامي. في العراق سقط نظام البعث في ربيع 2003م على يد قوات غزو أميركية، وبتعاون قوى سياسية عراقية متحالفة مع إيران "الثورة"، وأساس تحالفهما الاشتراك في المذهب الديني. أما بقية الدول المطلة على الخليج العربي فلم يتغير النظام السياسي فيها. كانت هناك مخاوف من نتائج الانسحاب البريطاني، وتبين أنها مخاوف كانت من دون أساس. بعد عشرات السنوات من خروج بريطانيا اتفقت الدول الخليجية العربية التي تأخذ بالنظام الملكي على تشكيل منظمة إقليمية، تحمل اسم "مجلس التعاون"، وهي منظمة كان الدافع لقيامها الحرب العراقية- الإيرانية، ويفترض أن توفر مظلة أمنية، لكنها لم تنجح في ذلك حتى الآن. من ناحيتها، وبعد سبع سنوات من الاحتلال، أو في 2010م، تتهيأ القوات الأميركية للانسحاب من العراق، بعد إدراك واشنطن أن نجاحها في إسقاط نظام صدام لم يكن أكثر من قفزة في المجهول كلفتها الكثير، ولم تستفد منها استراتيجيا إلا طهران. حجم التغيرات التي عصفت بالمنطقة على مدى أربعين سنة منذ نوفمبر 1971م كان كبيراً، خاصة منها ما حصل للعراق وإيران. وبشكل أو بآخر، تغير المشهد السياسي في الخليج، ومع ذلك هناك وجه شبه بين 1971 و 2010م. يكمن ذلك بشكل أساسي في أن قرار الانسحاب في كلا الحالتين خلف مرحلة انتقالية فرضت على دول المنطقة أن تتكيف مع تبعاته، وأن تعيد موقعها وحساباتها تبعا للتداعيات التي قد تتمخض عنه. تختلف أسباب قرار الانسحاب بين البريطانيين والأميركيين باختلاف المرحلة. الأسباب التي دفعت حكومة هارولد ويلسون للانسحاب كانت في أغلبها محلية، وعلى وجه التحديد كانت أسبابا مالية. أما أسباب قرار إدارة أوباما بالانسحاب فتتعلق في أغلبها بفشل السياسة الخارجية، وتضاعف ذلك مع أكلاف المغامرات العسكرية، وتزامنها مع أزمة مالية طاحنة. من حيث النتيجة كان قرار لندن بالانسحاب بداية النهاية للحقبة البريطانية شرق السويس، وتأكيد للحقبة الأميركية التي بدأت قبل ذلك. لكن آثار القرارين على المنطقة متشابهة. وما يهمنا في وجه الشبه هنا ليس ما يتعلق منه بسياسة كل من بريطانيا وأميركا، بالرغم من أهمية ذلك، وإنما ما يتعلق منه بالأطراف المحلية للمشهد الإقليمي، وأداء كل منها في مواجهة متطلبات المرحلة الانتقالية في كلا الحالتين. في الحالة الأولى نظر الشاه حينها إلى قرار الانسحاب البريطاني على أنه الفرصة التي كان ينتظرها لتأكيد هيمنة إيران على الخليج. ربما أنه كان يدرك أن هناك ضعفاً عربياً يغري في هذا الاتجاه. وقفت السعودية حينها بقوة ضد ادعاءات الشاه بالسيادة على البحرين. واختار العراق أن يكون الطرف الرئيس لموازنة إيران في المنطقة. اختارت السعودية، أو الدولة الكبيرة الثالثة أن تبقى خارج معادلة التوازنات هذه. وتأكد الموقف نفسه، بعد انضمام دول الخليج الأخرى إليها في مجلس التعاون. مع خروج العراق من المعادلة في المرحلة الأميركية، ترى إيران حالة ضعف عربي مغرية هي الأخرى. انتهت المرحلة الانتقالية الأولى بفوائد اقتصادية وسياسية بالنسبة لدول الخليج العربية. كان منشؤها الطفرتين النفطيتين الأولى في سبعينيات القرن الماضي، والثانية في أوائل هذا القرن. على الناحية الأخرى، خسر نظام الشاه الرهان مبكراً لأسباب أغلبها محلي، يتعلق بطبيعة النظام الحاكم، وطبيعة تحالفاته الخارجية. ومع أن العراق استفاد من الطفرة النفطية، إلا أن الأمر انتهى بخسارة حكم "البعث" للرهان هناك، وإن جاءت خسارته متأخرة عن الشاه بما يقرب من العقدين من الزمن. الأمر الثاني لوجه الشبه، وهو ما تضمره الملاحظات السابقة، أن مواقف الدول في المنطقة لا تختلف في الحقبة الأميركية كثيرا عما كانت عليه بعيد نهاية الحقبة البريطانية. دول مجلس التعاون كانت، ولا تزال تصر على الإمساك بالعصا من منتصفها، فيما يبدو أنه سياسة خارجية معنية بإدارة أزمات إقليمية لا تنتهي، وليس بتحقيق مصالح وطموحات وطنية في غمرة هذه الأزمات. يعزز ذلك إصرار دول مجلس التعاون على عدم الاعتراف بأن التنمية الاقتصادية تحتاج إلى خيارات سياسية وعسكرية واضحة لحمايتها. من ناحيتها لم تختلف السياسات الإيرانية في المنطقة كثيرا ما بين نظام الشاه، ونظام الجمهورية الإسلامية. الادعاءات التاريخية في البحرين لم تختفِ تماما باختفاء النظام السابق، ولا حتى بعد أربعة عقود من الاتفاق على بطلان هذه الادعاءات. لا يزال نظام الجمهورية الإسلامية متمسكا باحتلال الجزر الإماراتية الثلاث، أبو موسى، وطنب الكبرى، وطنب الصغرى، وهو الاحتلال الذي بدأ على يد الشاه. بعبارة أخرى، الهيمنة التي فشل الشاه في تحقيقها، هي المحرك الأساسي لسياسات الجمهورية الإسلامية حالياً. والحقيقة أن هذه الجمهورية حققت في ذلك نجاحات مهمة. ولهذا علاقة بالاستثناء اللافت هنا في دلالته على طبيعة المرحلة: العراق الذي كان الطرف الموازن لإيران في المنطقة، أصبح تحت الاحتلال الأميركي خارج معادلة توازنات القوة، ويخضع لصراع مرير بين قوى تريد أن تأخذه في اتجاه التحالف مع طهران، وأخرى تريد أن تحافظ على عروبته واستقلاله. وهذا يشير إلى نجاح إيراني واضح، حتى الآن على الأقل، مقابل إخفاق عربي على ضفاف الخليج. حتى سوريا التي تحكم باسم "البعث العربي"، وتقع في الشام، وليس في الخليج، تأخذ جانب إيران في المنطقة، ما يؤكد تهلهل الحالة العربية مقابل الآخر. بعبارة أخرى، كل دول المنطقة تعيش الحقبة الحالية، كما عاشت الحقبة السابقة، بالمخاوف والطموحات نفسها: محاولات هيمنة إيرانية، مقابل مقاومة عربية، تبدو حتى الآن واهنة. حتى الأدوات والأهداف السياسية لم تختلف كثيراً. في الحالة الإيرانية هناك فرق. كان الشاه ينفذ سياسته في إطار التحالف مع الولايات المتحدة الأميركية، ومن منطلقات سياسية، تحمل في تضاعيفها طموحات فارسية ليست جديدة. أما نظام الجمهورية الإسلامية فمع أنه يسعى إلى تحقيق الطموحات الفارسية نفسها، أو الإيرانية كما يرى البعض، إلا أنه يعبر عنها بأيديولوجية دينية مذهبية، مغلفة بغلالة شعارات يراد لها أن تكون ذات نَفس إسلامي. الأهداف السياسية واحدة، لكن يختلف الأداء، وتختلف الأيديولوجيا المصاحبة. الأمر الثاني أن الطموحات الإيرانية الحالية تأتي في إطار صِدام مع الغرب، خاصة الولايات المتحدة. ما تميزت به إيران أنها تبدو الوحيدة التي استفادت من معطيات المرحلة الحالية: من حربها مع العراق، ومن الأخطاء الأميركية، والانقسام العربي. الغريب أن طهران استفادت من السياسة الأميركية أكثر بكثير مما استفاد أصدقاء واشنطن. وتبدو هذه الاستفادة جلية في ثلاثة أمور: إيجاد نفوذ لها داخل العراق، ومنطقة الشام، فرض ملفها النووي على الأجندة الإقليمية والدولية. وكل هذه مكتسبات، في مقابل خسائر عربية، قد تفرض في الأخير تفاهما بين إيران والغرب على حساب الأطراف العربية؟ ما مدى إمكانية ذلك؟ وكيف تبدو الأطراف العربية في هذه الحالة؟