يتزايد شعور الطلاب اليابانيين الذين يدرسون في الجامعات الأميركية بأن مستقبلهم الأكاديمي لن يكون داخل أميركا، بل بإحدى الجامعات الصينية. بيد أن القائمين على أمر التعليم في الولايات المتحدة يكافحون اليوم ويعملون على توفير كليات وجامعات أفضل، إلى جانب اهتمامهم برفع مستوى اللغة الإنجليزية المقدمة للطلاب الأجانب بصفة خاصة. فمن بين الطلاب والطالبات اليابانيين الذين يدرسون في الجامعات الأميركية، لا تبدو الطالبة "أساكو ساكاني" لئيمة بأي درجة من الدرجات عندما أعربت عن شعورها بأن مستقبلها الأكاديمي لن يكون هنا في أميركا على الأرجح. وعليه فقد قررت كسب الوقت والالتحاق بإحدى الجامعات الصينية. وقالت الطالبة موضحة خطوتها هذه بقولها: حدثني أحد أساتذتي في المرحلة الثانوية عن أن الصين تنمو بمعدل شديد السرعة، ويرجح لها أن تتفوق قريباً على الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا واليابان اقتصادياً. وتمضي الطالبة إلى القول: فالصين واليابان جارتان، والأفضل لمستقبلي أن أتعلم اللغة الصينية بدلاً من الإنجليزية. وتعد هذه الطالبة جزءاً من اتجاه عام بدأ يثير قلق القائمين على أمر التعليم العالي في أميركا. فبينما يتراجع عدد الطلاب اليابانيين الذين يدرسون في الجامعات الأميركية سنوياً، يلاحظ تنامي العدد نفسه من الطلاب الذين يلتحقون بجامعة بكين وغيرها من جامعات كبرى المدن الصينية. فهناك تحول كبير للغاية طرأ على اتجاهات الطلاب اليابانيين الراغبين في الدراسة في الخارج. ذلك ما قاله "ديفيد ساتروايت"، مدير برنامج منح "فولبرايت" في طوكيو. وأوضح أن هناك اتجاهاً واضحاً لدى الطلاب اليابانيين عندما يتعلق الخيار التعليمي بين الولايات المتحدة الأميركية والصين. ففي عام 1994، كانت الجامعات الأميركية خيار نسبة 78 في المئة من الطلاب اليابانيين الذين فضلوا الالتحاق بالجامعات الأجنبية. غير أن هذه النسبة انخفضت إلى 46 في المئة فحسب بحلول عام 2007 حسب إحصاءات الحكومة اليابانية. وفي الوقت نفسه نمت نسبة الطلاب اليابانيين الذين يلتحقون بالجامعات الصينية خلال الفترة نفسها من 9 في المئة إلى 24 في المئة، وهي زيادة تعادل حوالي 18 ألف طالب. ولم يكن ذلك الرقم سوى نصف عدد الطلاب اليابانيين الذين التحقوا بالجامعات الأميركية في العام المذكور. غير أن تدفق الطلاب اليابانيين عبر المحيط الهادي إلى أميركا تراجع كثيراً منذ عام 2007، وفقاً لمعلومات المعهد الدولي للتعليم، الذي أكد أن عدد هؤلاء الطلاب قد تراجع ليصل إلى نحو 30 ألف طالب فحسب بحلول عام 2009. ومن رأي بعض المحللين أن هذا التراجع حتمي وكان لا بد له أن يحدث. فعلى إثر تعزيز العلاقات الاقتصادية بين اليابان والصين، أصبحت الصين أكبر شريك لطوكيو خلال السنوات الأربع الماضية. وبالنتيجة فقد توفرت فرص عمل كبيرة جداً لليابانيين الذين يتمتعون بالمهارات اللغوية المناسبة للعمل بها. ومن رأي ريتشارد أوروك -المنسق الإقليمي لمنظمة USA Education- فإن من الطبيعي أن يتساءل الشباب عن أين تتجه الوظائف، خاصة وأنهم يرون أن الشركات اليابانية تتجه بثقلها كله نحو الصين، ويذكر أن هذه المنظمة معنية بتنسيق دراسات الطلاب اليابانيين والتحاقهم بالجامعات الأميركية. كما يدرك الشباب أن مفتاح الوظيفة بالنسبة لهم هو الإلمام بقدر لا بأس به من المعرفة بالصين والقدرة على التحدث بلغتها. تقول الطالبة ساكاني -التي أراد لها أبواها الالتحاق بإحدى الجامعات الأميركية في الأساس- إنها تمكنت من إقناعهم بأن في وسع الكثيرين اليوم التحدث بالإنجليزية، في حين لا تستطيع سوى قلة من الأجانب التحدث بالصينية. وعندما أبدأ تعلمها مبكراً، فإنني أحسن بذلك فرصي المستقبلية لدى تخرجي في جامعة بكين للدراسات الأجنبية. كما يبدي اليابانيون حساسية خاصة تجاه تكلفة تعليم أبنائهم وبناتهم، على حد قول ناومي تاجاشيرا، مستشار المنظمة اليابانية للخدمات التعليمية "جاسو" التي تنسق دراسة الطلاب اليابانيين بالخارج. وأوضحت ناومي قائلة: لقد شهدنا نمواً ملحوظاً في عدد الطلاب الذين يستفسرون عن بلدان ليست ترتفع فيها تكلفة الدراسة والمعيشة بذلك المعدل الذي تعرف به الولايات المتحدة الأميركية. ومما لا شك فيه أن هذه الحساسية تعطي الصين أفضلية على أميركا. بيد أن لانخفاض تكلفة التعليم ثمنه المتمثل في انخفاض المستوى التعليمي في المقابل. ولا تزال أفضل الجامعات الصينية أدنى مستوى من نظيرتها الأميركية. كما لا تتاح للطلاب الذين يدرسون في الجامعات الصينية فرصة الحوار الفكري الحر المفتوح الذي تتسم به الجامعات الغربية أو حتى في الجامعات اليابانية نفسها. فإذا كان خيارك الدراسة في الصين، فليس مرجحاً أن يكون موضوع هذه الدراسة الدراسات الإنسانية الحرة أو البحث العلمي وفقاً للمعايير العالمية، على حد قول الدكتور "ساتروايت"، ويحذر هذا الخبير المتخصص في الشؤون التعليمية من أن يؤثر سلباً تزايد عدد الطلاب اليابانيين الذين يتلقون دراستهم في الجامعات الصينية على المجتمع الياباني مستقبلاً. كما يثير مخاوف من أن تتراجع القدرة التنافسية لليابان في الاقتصاد العالمي جراء تزايد طلابها الذين يدرسون في الصين. بقي أخيراً القول إن الجامعات الأميركية لم تستسلم أمام هذا الاتجاه الجديد للطلاب اليابانيين. فمسؤولو التعليم الأميركيون يدركون جيداً تفضيل الآباء اليابانيين إرسال أبنائهم وبناتهم إلى البلدان المألوفة بالنسبة لهم. وعليه فقد خطط هؤلاء المسؤولون لإتاحة الفرصة لطلاب الثانويات اليابانية فرص السفر في زيارات مدرسية طويلة إلى عدد من المواقع الأميركية مثل جزيرة هاواي، أو زيارة الولايات المتحدة في برامج تبادل تعليمي قصير المدى. ويرى "أوروك" أن من الأهمية استقطاب هؤلاء الطلاب في سن مبكرة إلى أميركا. ولكن لن تفوت على الصين هذه الاستراتيجية التعليمية الأميركية بالطبع، فللمرة الأولى بادرت منظمة "الشباب من أجل التفاهم" -وهي منظمة دولية تقوم بتنسق برامج التبادل التعليمي لطلاب الثانويات- بابتعاث عدد من الطلاب اليابانيين في زيارة تبادل تعليمي إلى الصين تستغرق عاماً كاملاً. وبينما نجحت هذه المنظمة في ابتعاث ما يقارب الـ3 آلاف طالب إلى الولايات المتحدة الأميركية في عام 1992، فقد تراجع ذلك العدد في عام 2008 ليصل إلى 1150 طالباً فحسب، وهو ما يعكس تراجع رغبة الطلاب الأجانب في زيارة أميركا. ------- بيتر فورد محلل سياسي أميركي ------- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"