كان المفكر الراحل محمد عابد الجابري مثار حوار وسجال واسعين في أوساط مختلفة من المثقفين والمفكرين العرب، وقد نأتي على ذلك في كتابات لاحقة. أما الآن فنرغب في العودة إلى واقعة حدثت في سياق أعمال ندوة دعت إليها مجلة "العربي"، وكانت بعنوان "حوار المشارقة والمغاربة- الوحدة في التنوع"! وعُقدت في الكويت خلال الفترة من 4 إلى 6 من شهر ديسمبر لعام 2004. لقد جاءت الواقعة المعنية في سياق محاضرة قدمتُها بعنوان "حوار المشارقة والمغاربة في ضوء الاستحقاق العربي المعاصر". كان ما قدمتُه -بصفتي مشرقياً في خطوط أساسية عامة ولكن مُجملة -حواراً نقدياً مع ما كتبه الجابري حول "العقل" العربي والثقافة العربية، وقد أحلْتُ في أثناء تقديمي للمحاضرة إلى كتاب لي صدر قبل حين من ذلك حول الجابري، بعنوان "من الاستشراق الغربي إلى الاستغراب المغربي- بحث في القراءة الجابرية للفكر العربي". وفي أثناء العرض، أتيت على مقارنة بين طه حسين ومحمد عابد الجابري في نقطة رئيسة من تاريخ الرجلين كليهما، هي الموقف من الغرب بصيغة استغرابية تمنح من "النزعة المركزية الأوروبية"، وجاء ذلك واضحاً لدى طه حسين في كتابه "مستقبل الثقافة في مصر"، ولدى محمد عابد الجابري في ثنائيته "تكوين العقل العربي- وبنية العقل العربي"، وفي غيرها. بعد ذلك وبعد فتحْ باب النقاش، تحدث الدكتور جابر عصفور، فردّ عليَّ في مسألتين هما: أ) مصداقية المعادلة بين الجابري وحسين. 2) ما اعتقده هو من موقف لي من "الغرب" قائم على اعتباره نسيجاً واحداً بالاعتبار السوسيوسياسي والفلسفي والأيديولوجي والثقافي عموماً وغيره. ولن أعلّق الآن إلا على المسألة الأولى، وأترك التعليق على المسألة الثانية بسبب من أنني سأفعل ذلك بالعلاقة مع مسألة أخرى ظهرت في ندوة أخرى نظمتها صحيفة "الاتحاد" في "ندوتها السنوية" منذ سنوات، وكانت حول الثقافة العربية والعولمة، وشارك فيها وعلق عليها برهان غليون والجابري. أما ما يمكن التعليق به على رأي جابر عصفور فيما يتصل بمقارنتي (في محاضرتي السابقة الذكر)، فيتعلق بخطأين ارتكبهما عصفور، يقوم أولهما ربما على اعتقاد الأخير بأن طه حسين فوق المقارنة وفوق النقد التاريخي، (خصوصاً) إذا أتت المقارنة مع الراحل الجابري، وهذا ما أثارني إنسانياً وعلمياً منهجياً، فكأن الجابري أدنى من أن يقارن مع عميد الأدب العربي. أما الخطأ الثاني فقد تجلّى في التنكّر للفكرة المركزية وما تعنيه لدى طه حسين في حينه، وهي إن مصر قطعة من أوروبا. ولم أتمكن من الرد على هذا وذاك في حينه، لأن الجلسة انتهت.