لأول مرة في تاريخها، تحظى القارة الأفريقية بشرف تنظيم تظاهرة رياضية كبرى تعتبر الأهم والأكثر وجاهة على الصعيد العالمي، متمثلة في استضافة كأس العالم لكرة القدم، حيث سيتم تنظيم المباريات في جنوب أفريقيا الشهر المقبل. ورغم أن أفريقيا اشتهرت على الدوام بأنها أرض غنية بأبطال كبار في عالم الرياضة غزوا الملاعب الدولية، إذ يكفي إلقاء نظرة خاطفة على فرق كرة القدم الأوروبية كي يعثر المرء على لاعبين خلدوا أسماءهم في أذهان المتابعين، إلا أنه مع ذلك لم يُنظر إلى أفريقيا حتى هذه اللحظة على أنها تستحق تنظيم منافسة رياضية ذات مستوى عالمي. فهل يشكل التشريف الحالي الذي أسند إلى القارة الأفريقية بتنظيم كأس العالم في كرة القدم انطلاقة جديدة بعدما غيبها النسيان لفترة طويلة وظلت خارج نطاق العولمة ومكتسباتها؟ وهل جاءت الفرصة لتكذيب مقولات المراقبين والمتشككين في قدرة القارة السمراء على النهوض بهذه المسؤولية بعدما قللوا من إمكاناتها وضعف بنيتها التحتية على استضافة الجماهير الغفيرة التي ستفد إليها من كل بقاع العالم لمتابعة مباريات منتخباتها؟ هذه التساؤلات وغيرها ستجيب عنها جنوب أفريقيا، غير أنه لا يمكن التعميم عند الحديث عن أفريقيا، لا سيما وأن الدولة التي ستحتضن كأس العالم تختلف عن باقي الدول بإمكاناتها المهمة وبثروتها التي تمثل 40 في المئة من مجمل الاقتصاد الأفريقي، وهنا لا بد من الإشارة إلى عامل آخر عدا الاستعداد التقني والقدرة الاقتصادية، إذ لم تستطع جنوب أفريقيا انتزاع شرف تنظيم كأس العالم من المغرب الذي نافسها بقوة خلال الحملة الترويجية، إلا لما يمثله قائدها نيلسون مانديلا من وزن ثقيل على الصعيد العالمي، وما يعكسه من اعتبارات سياسية رجحت كفة جنوب أفريقيا للظفر بتنظيم كأس العالم لسنة 2010. ويبدو أن "الفيفا" كافأت جنوب أفريقيا على إنجازاتها السياسية عندما اجتازت مرحلة الفصل العنصري دون عنف وحققت المصالحة بين أطياف المجتمع المختلفة دون إراقة الدماء. ومع ذلك مازالت القارة الأفريقية في نظر العديد من المراقبين وفي أذهان الرأي العام الدولي القارة الغارقة في حروب أهلية، لا تنتهي وصراعات دموية تصل حد الإبادة الجماعية مثلما حصل في رواندا، فضلًا عن تفشي الفساد، وسوء الإدارة وانعدام التنمية، وما يرافقها من أمراض ومجاعات وانتشار واسع لداء فقدان المناعة المكتسبة، هذا بالإضافة إلى غياب الديمقراطية وتسلط الأنظمة الاستبدادية على الشعوب ومقدراتها وتوريث الحكم وغيرها من السلبيات التي باتت مقترنة بالقارة الأفريقية. وحتى في جنوب أفريقيا التي حققت نجاحاً مشهوداً على الصعيدين الاقتصادي والسياسي واجتازت مرحلة حالكة من تاريخها دون فوضى، تعاني هي الأخرى من صعوبات ومشاكل عديدة، إذ لم يمنع صعود طبقة جديدة من البورجوازية السوداء وبناء ديمقراطية حقيقية وتوفير الماء والسكن وباقي الخدمات لشرائح واسعة من الشعب لم تمنع كل تلك النجاحات من بقاء 40 في المئة من السكان السود تحت وطأة البطالة. وبالإضافة إلى ذلك، فإن العنف استوطن المجتمع وتجذر في أعماقه لتصبح جنوب أفريقيا البلد الثاني عالمياً بعد كولومبيا في عدد الجرائم، بحيث تسجل الإحصاءات الرسمية 20 ألف عملية قتل و50 ألف جريمة اغتصاب في السنة. ورغم الإصلاح الزراعي الذي جاء به النظام الجديد في جنوب أفريقيا بعد مرحلة الفصل العنصري، مازالت 80 في المئة من الأراضي الزراعية في أيدي البيض، فيما لم يُوزع على السود سوى 5 في المئة، كما أن النظام الجديد لم ينجح تماماً في تحقيق المساواة الاجتماعية المأمولة حيث مازالت الفوارق مرتبطة إلى حد كبيرة بالأصول العرقية للمواطنين؛ وبالطبع لا يمكن التعويل على تظاهرة رياضية مهما بلغت أهميتها، أو قيمتها العالمية لدفع قارة بأكملها للنهوض والإقلاع، أو لإزالة تلك الصور النمطية التي تكرست حول القارة طيلة السنوات الماضية. لكن مع ذلك علينا ألا ننسى أن هذه القارة التي خرجت تماماً من دائرة الاهتمام العالمي بعد فقدانها لأهميتها الاستراتيجية عقب سقوط الاتحاد السوفييتي وانتهاء الحرب الباردة، بدأت تشق طريقها بثبات إلى الأضواء، ذلك أن المشاكل العالمية الكبرى المرتبطة بالهجرة والتحولات الديموغرافية، فضلاً عن الإرهاب والإيدز وغيرهما من القضايا التي يعكف المجتمع الدولي على حلها تقع في القلب من أفريقيا. وقد زاد من أهمية أفريقيا التنافس الدولي الجديد على الاستثمار في سوقها والصراع بين الصين من جهة وباقي الدول الغربية من جهة أخرى على كسب موطئ قدم فيها وتدعيم مصالحها، وفي هذا الإطار تنظم الصين قمما دورية تجمعها بأكثر من خمسين دولة إفريقية لتأمين وصولها إلى المواد الأولية واستفادتها من الفرص الاستثمارية التي تمثلها القارة السمراء دون التدخل في الشؤون السياسية للدول خلافاً لما تقوم به البلدان الغربية، وهو ما يعطيها أفضلية بالنسبة للأنظمة المحلية المتحسسة من التدخلات الخارجية. كما أن اليابان التي تريد الدخول إلى مجلس الأمن، والفوز بمقعد دائم لها مع الكبار يعكس دورها العالمي، لا تستطيع تجاهل أصوات أكثر من خمسين دولة أفريقية عضو في الأمم المتحدة، هذا في الوقت الذي بدأت فيه البرازيل تهتم بالقارة السمراء في محاولة لربط الصلات بموروثها الأفريقي وبشريحة مهمة من شعبها، الذي يرجع بأصوله التاريخية إلى القارة السمراء، دون أن ننسى الاهتمام الكبير الذي توليه الولايات المتحدة بأفريقيا على خلفية قضايا الإرهاب والأمن، فضلا عن الاستثمارات النفطية المهمة في القارة؛ لذا يمثل كأس العالم في كرة القدم محكاً حقيقياً للقارة الأفريقية، فهو إما سيبدد الصورة السلبية التي التصقت بالقارة على مدى السنوات المنقضية في حال نجاحه، أو سيكرسها أكثر في حال فشل التنظيم وتعثر الأداء، وربما لهذا السبب يتعين على جنوب أفريقيا النهوض بمسؤولياتها على أكمل وجه حتى تثبت للعالم أنها أهل لتنظيم تظاهرة رياضية بهذا الحجم وتخرس الأفواه المتشككة والمرتبطة بعقدة الاستعلاء لدى الإنسان الأبيض.