كانت المواجهات الكبرى في العالم تتمّ بين الدول، سواء في السياسة أم الاقتصاد أم الحرب العسكرية الصريحة، ولكنّنا اليوم أمام نوع جديد من المواجهات الكبرى، مواجهة بين دولة تعتبر من أكبر دول العالم وأكثرها نجاحاً –رغم ظروفها- سياسياً واقتصادياً وهي الصين، وبين شركة إنترنتية عملاقة تعمل في المجال الافتراضي وهي جوجل. الصين كدولة ذات سلطة تتحكم في واقع البشر وتحدد لهم الخيارات المتاحة عبر مؤسساتها المعنية، ولكنّ جوجل كشبكة افتراضية تتحكم بأحلام الناس وأمانيهم ورغباتهم المكبوتة سلطوياً تلك الرغبات التي تعبّر عن حقهم المشروع في نيل حريّتهم المطلقة في الاطلاع والبحث والتنقيب والتعبير. إنّ الصين بكل نجاحاتها وتميّزها الجدير بالإشادة خاصةً في المجال الاقتصادي قد أصبحت تنتمي للماضي، وإن جوجل بكل نجاحاتها وتميّزها وتطوّرها المستمرّ تنتمي للمستقبل، والحاضر بين الخصمين مجبر على الانحياز للمستقبل لا للماضي، للمبتدئ لا للمنتهي، للغد لا للأمس. نجت الصين من كارثة انهيار النظام الاشتراكي الذي كانت تتبناه عبر شيء من المرونة التي اتبعتها، خلافاً للاتحاد السوفييتي الذي أصرّ وعاند حتى انكسر، فهل ستنجو في قادم الأيام من مواجهة الطفرات التقنية العالمية عبر مزيدٍ من المرونة والتفهّم، أم سيلحقها عناد الشيوعية القديم وتعنّتها المعروف؟ كلّ هذا رهنٌ بقرار القائد السياسي الصيني. في إحدى الجامعات كان لدى الطلبة امتحان شبه فرديٍ في غرفة الدرس، وكان على بقية الطلبة الانتظار في غرفة الكمبيوتر، كنت أحد هؤلاء الطلاّب وأديت امتحاني عاجلاً، وحين عدت لغرفة الكمبيوتر وكنت أتحدث مع بعض الزملاء لفت انتباهي أن كل الشاشات التي أمامي مفتوحة على موقع الفيس بوك، ودفعني الفضول لإدارة رأسي لبقية الشاشات فوجدتها جميعاً مفتوحةً على نفس الموقع "الفيس بوك"، ما أثار لدي سؤالاً كبيراً حول تأثير عالم الواقع والعالم الافتراضي على الأجيال الصاعدة! إن الأجيال الصاعدة والشابّة هي التي ستحكم هذا العالم لاحقاً، والدول التي هي جزء من هذا العالم لا يمكنها أن تشذّ عن القاعدة، وإن شذّت فلسنوات معدودة قبل أن يكتسح طوفان الشباب كل شيء، الدول والحضارات والثقافات والمجتمعات. إن جيل "فيس بوك" و "جوجل" و "يوتيوب" سيتجاوز الأجيال السابقة في كل العالم، والخبر المثير الذي خرج قبل أسابيع هو تجاوز موقع "فيس بوك" موقع "جوجل"، فما هو الفرق؟ وما هي الدلالة؟ الفرق هو أن موقع جوجل موقع بحثي متقدم جداً وشديد التأثير، ولكنّ موقع فيس بوك موقع تفاعلي يندمج فيه الإنسان مع طموحاته وأحلامه وأفكاره، وتكون اختياراته الشخصية هي رائده ومرشده دون وصاية ولا رقابة ولا رعاية. وكذلك فإن الفرق الذي بدا من خلال هذه الإحصائية هو أن البشر أكثر حرصاً على التعبير عن أنفسهم وقناعاتهم من حرصهم على البحث عن حقيقتها ومصداقيتها. فالبحث خطوة على طريق بناء القناعات والتعبير عنها. يتناقل البعض عن أحد المفكرين الغربيين أن "الفيس بوك" يمنح كلّ المنخرطين فيه شهرةً لخمس عشرة دقيقة، أو شهرةً لدى خمسة عشر شخصاً، حسب الظروف، وهما كلمتان صحيحتان، تمثلان تفريعاتٍ على مبدأٍ واحدٍ هو الغريزة الإنسانية لإثبات الوجود وتأكيد التأثير لدى أكبر قدر ممكن من البشر. يبقى هنا تساؤل شديد الأهمية للإنسان الحديث، وهو التساؤل حول أنفسنا حين نسلم خصوصياتنا للشركات الافتراضية العملاقة، هل نحن في وضع أفضل ممّا كنّا عليه، أمّ أنّ هذه الشركات الافتراضية العملاقة تستغلّنا وتستفيد منّا وتستغلّ خصوصيّاتنا؟ نشرت صحيفة الشرق الأوسط يوم الأحد 16-5-2010، ما أسمته بـ "أكبر فضيحة دولية: جوجل تتجسس على المراسلات الإلكترونية اللاسلكية"، وهو عنوان مثير دون شك، وأشارت الصحيفة إلى اعترافات بعض مسؤولي جوجل عن بعض الانتهاكات للخصوصيات لبعض مستخدمي التقنيات الحديثة في الإنترنت! إنّ الإنسان يدافع دائماً وبشكل غريزي وفطري عن خصوصياته، ويحتفظ لنفسه برغباته وعاداته وطموحاته، وحين تأتي هذه الشركات العملاقة في واقع اليوم، والتي أصبح إنسان اليوم يعتبرها جزءاً من روتينه اليومي لتقتحم عليه خصوصيته، فمن الطبيعي أن يثور، وأن يغضب، وأن يسعى لمقاومة هذا الغزو الإلكتروني العولمي الحديث لخصوصياته العقلية أو العاطفية أو نحوها، ولكن يبقى السؤال ماذا يستطيع الإنسان أن يفعل تجاه هكذا اقتحامٍ وهكذا تسللٍ؟ ليست الإجابة سهلةً كما يحسب البعض، بل هي معقدة تعقيد الواقع الذي نعيشه، فمثل هذه الخدمات المتقدّمة التي تمنح الإنسان قدراتٍ جلّى وتيسيراتٍ متنوعةٍ، ويكسبه فهمها وإدراكها وإحسان التعامل معها سرعةً في إنجاز أعماله ومشاريعه، وسهولةً في الوصول للمعلومة ودعماً لتطوير الذات والتواصل مع كل مهتمٍ بما يحب وما يريد، هذه التقنيات تفرض عليه بالمقابل انقياداً لا يعرف كيف يتخلّص منه، وانخراطاً فيها يضمن له العيش في المستقبل لا الماضي، والانتساب للقادم الذي يتشكّل لا لليوم الذي يمثل القنطرة، ولا للأمس الذي انقضى وتولّى بخيره وشرّه. هنا نتساءل عن حجم الضريبة التي ينبغي للبشر دفعها للانتقال من عصرٍ إلى عصرٍ، ومن تاريخٍ إلى واقعٍ، ومن واقعٍ إلى مستقبلٍ؟ كما نتساءل عن خسائرنا والأضرار التي تلحق بنا جرّاء هذا الانتقال؟ لمحاولة الإجابة على هكذا تساؤلاتٍ فعلينا العودة إلى السؤال الأخلاقي المطروح فلسفياً ودينياً منذ أقدم العصور العاقلة في التاريخ الإنساني، ما مدى مسؤولية الفرد عن تصرّفاته الذاتية؟ وما مدى أحقيته في حفظ هذه التصرفات لنفسه، وألا يتعدّى الآخرون على خصوصيته سواء بمنطق الوصاية أم بمنطق العلم أم بغيرهما؟ أخلاقياً، ليس من حق جوجل ولا غيرها أن تعتدي على خصوصيات البشر، وهو ما يجب نقله –وهو الأهم- للمرحلة القانونية، أي المرحلة التي ينبغي أن تحكم مثل هذه التصرفات ضمن الإجماع الإنساني والتطوّر البشري الطبيعي، وكذلك ضمن حفظ حق الفرد في الخصوصية والفردانية. إنّ الفردانية هي الثيمة الأصلية لكل الطروحات الليبرالية الحديثة، ورغم ما يكتنفها من إشكالاتٍ وتحديداتٍ فهي أقرب لعالم العلم الحديث والغوص فيه أكثر من عالم اللهاث خلف التاريخ والأحداث. ويبقى على الدوام بحث البشر عن الأسرع خدمةً والأوسع تطوراً والأكثر حداثةً هو الحاكم لتصرفاتهم والخادم لتطلّعاتهم. لقد علّمنا التاريخ أنّ القوانين والأنظمة تتبع التطوّر البشري، تتقدم عليه تارةً ويتقدم عليها تارة أخرى، وكما جرى في التاريخ الواقعي ينبغي أن يجري في العالم الافتراضي، ففي النهاية القوانين هي التي يجب أن تحكم حراك البشر إلكترونياً كما واقعياً، ونحن من دون القوانين نحتكم لشريعة الغاب، حيث القويّ يأكل الضعيف، وحيث الشركات العملاقة تنتهك خصوصيات الفرد، وحيث يمكن لكل مالكٍ ماليٍ ضخمٍ أن يحوّل البشر لمجرد أدواتٍ وأرقامٍ في سوقه الكبير.