سبعة وعشرون عاماً مضت على رحيل الشاعر المصري أمل دنقل وما زالت قصائده تؤسس لوعي مختلف، وقد تفرد في شعره في مزجه التراث العربي بالأساطير الفرعونية واليونانية. كان شاعر الرفض وما زالت قصيدته التي استحضر فيها سبارتاكوس رمزاً للتمرد على الطغيان على العبودية، رمزاً للتحرر والحرية، إنه العبد الذي قاد ثورة العبيد في وجه روما العابثة بإنسانية الإنسان، لكنه هزم في معركته الأخيرة فقتل وعلق على المشانق مع العبيد الثائرين على قارعة الطريق، ليستلهم دنقل "كلمات سبارتاكوس الأخيرة" فجاء التعبير في القصيدة بمشاهد حسية حية صادمة للوعي مليئة بالإيحاءات المجسدة في قصيدة من أروع ما كتب، فيقول الشاعر وعلى لسان سبارتاكوس المشنوق: "معلّق أنا على مشانق الصباح، وجبهتي -بالموت- محنيّة، لأنّني لم أحنِها.. حيّة!". ويلتفت سبارتاكوس إلى إخوته العابرين في الميدان مطرقين رؤوسهم على رغم أنهم أحياء، يخاطبهم "فلترفعوا عيونكم إليّ، لربما.. إذا التقت عيونكم بالموت في عيني، يبتسم الفناء داخلي.. لأنكم رفعتم رأسكم مرة!"، فهم معلقون مثله على مشانق القيصر المستبد، وكأن الشاعر في قصيدته يحاول أن يعلم الجماهير العربية المضطهدة أن تقول "لا" حتى وإن علقت المشانق لتتساوى عاقبة الرفض مع عاقبة ذلك الثائر المعلق في مشنقة على مدخل مدينة الظلم. إنها صرخة الحرية الأبدية. على مر العصور صنع الإنسان لأخيه الإنسان أغلال استعباد من قوانين وأعراف سالباً منه مفردات حريته واحدة تلو الأخرى، وعلى الرغم من انتهاء أشكال الاستعباد الجسدي تقريباً للإنسان المعاصر، تمتد سلسلة وأد الحرية في المجتمعات العربية بدءاً من الأسرة والنظام التعليمي فالبنى المجتمعية الأخرى وانتهاء بالنظام السياسي حيث تسلب كل حلقة جزءاً من حرية الفرد الفطرية، لينتهي إنساناً مسلوباً مقهوراً مهدوراً، حيث ترسخ مؤسسات التعليم التلقي ولا تسمح بالحوار ولا حق الاختلاف ولا تسمح بالرأي الآخر. لقد استفاض الدكتور هشام شرابي في شرح النظام البطركي التسلطي للمجتمع العربي حيث تفرض العصبيات عبودية فهي عدوة الاستقلال الذاتي والتجرؤ على الفكر وبناء كيان فكري مستقل للفرد، إنها بنى تعوق النماء أو النزوع للاستقلال والحرية، فيقول شرابي: "إن التخلف الذي نجابهه هو من نوع آخر، إنه يكمن في أعماق الحضارة الأبوية (والأبوية المستحدثة)، ويسري في كل أطراف بنية المجتمع والفرد، وينتـقل من جيل إلى آخر كالمرض العضال. وهو أيضاً مرض لا تكشف عنه الفحوص والإحصاءات. إنه حضور لا يغيب لحظة واحدة عن حياتنا الاجتماعية، نـتـقبله من غير وعي ونتعايش معه كما نـتـقبل الموت نهاية لا مهرب منها، نرفضها ونتـناساها في آن". يستعير تقرير التنمية الإنسانية العربية لعام 2004 " ظاهرة الثقب الأسود في توصيف الدولة العربية، فإذا كانت السلطة السياسية هي التجلي السياسي لظاهرة الثقب الأسود فإن التجلي الاجتماعي لها هو مجتمع الثقب الأسود حيث يتكور المجتمع على نفسه، يضيق ويتحول إلى حقل جاذبية جبار، ويتداعى فضاء الاختلاف والتغيير الاجتماعي والتنوير حتى يكاد يتلاشى، إنه مجتمع الرقيق بعد أن دخل الرق التاريخ، هي عبودية سياسية اجتماعية فكرية فتتحول سلسلة وأد الحرية إلى أغلال خارجية تؤسس لأغلال داخلية حيث يحارب الإنسان كل نزعة داخلية لتفكير مختلف أو لرأي لا يتطابق مع السائد، فلن تطلب الحرية في مجتمع العبيد المعاصر. ولا يبقى لنا إلا أن نردد مع دنقل "سيزيف لم تعد على أكتافه الصخرة، يحملها الذين يولدون في مخادع الرقيق، فلترفعوا عيونكم للثائر المشنوق، فسوف تنتهون مثله غداً".