دور الدول البازغة العالمي يتعاظم... ومأزق أوروبا المالي يتفاقم! جديد قانون منع النقاب، وصعود دور الدول البازغة في السياسة الدولية، وهموم "ثقافة الاستقرار" المالي في أوروبا، موضوعات ثلاثة استقطبت اهتمام كتاب افتتاحيات وصفحات رأي الصحف الفرنسية. قانون منع النقاب رصد معظم كُتاب افتتاحيات الصحف الجهوية الفرنسية تداعيات تمرير الحكومة لقانون منع النقاب، الذي يتوقع عرضه قريباً على البرلمان ليصبح ساري المفعول. في افتتاحية "لوربيبلكن لورين" ذهب الكاتب "بيير فريهل" إلى أن الحكومة باتخاذها لهذه الخطوة الحاسمة تكون قد أوجدت كافة مسوغات المصادقة التشريعية على القانون، المثير للجدل، بما في ذلك ضمان تأييد أغلبية محسوسة من الفرنسيين لإصداره. ولعل العقبة الوحيدة التي ما زالت تقف أمام قانون البرقع، أو النقاب، هي انقسام صفوف أكبر أحزاب المعارضة، الحزب الاشتراكي، تجاهه، وإن كان يتعين على الاشتراكيين المعارضين للمنع عدم المجازفة برفع الأمر إلى المجلس الدستوري، من منطلق الاعتقاد بأن قانوناً كهذا يخالف الدستور وينتهك حقوقيّاً مبدأ الحريات الشخصية. وإذا لعب الاشتراكيون بهذه الورقة الآن، قبل سنتين فقط من الانتخابات الرئاسية المقبلة، فقد يؤدي ذلك إلى تآكل فرص مرشح أو مرشحة اليسار، في ذلك الاستحقاق المصيري. وزيادة على هذا لو تدخل المجلس الدستوري بصفته حكَماً تشريعيّاً، ففي مقدور الحكومة أيضاً اللعب بورقة أخرى هي اللجوء إلى خيار الاستفتاء العام. ولا يكاد يوجد شك في أن ورقة كهذه مضمونة النجاح. ولكن لهذا التدبير أيضاً آثاراً عكسية على الحكومة، يقول الكاتب، حيث إن تضخيم قضية البرقع إلى هذه الحدود، سينظر إليه شعبياً على أنه تغافل عن القضايا الأكثر إلحاحاً من خلال التلهي بافتعال مشاكل وهمية، في وقت يشب فيه أكثر من حريق، داخل البيت الفرنسي. وفي افتتاحية أخرى ليان مار في "ميدي ليبر" نجد من البداية تأكيداً قاطعاً أن النقاب، لا مكان له أبداً، في جمهورية علمانية مثل فرنسا. وهذا ما ينبغي الاعتراف به، دون مواربة. غير أن الافتتاحية تلاحظ مع ذلك تسجيل ما اعتبرته ديماغوجية سياسية وحزبية على هامش سجال النقاب، فقد تحدثت زعيمة الحزب الاشتراكي مارتين أوبري عن مخاوف من تفشي نظرة سلبية ضد فرنسا لدى الآخرين في الخارج، على خلفية منع النقاب. والحال أن زعيمة الحزب الاشتراكي، بإلقائها لمثل هذا النوع من بالونات التوظيف السياسي، إنما تعيد استنساخ سجالات سابقة مثيرة للجدل، مثل السجال حول الهوية الوطنية. دبلوماسية الدول البازغة في افتتاحية لصحيفة لوموند تحدثت عن ظاهرة الصعود المتنامي الآن لدبلوماسية دول الجنوب البازغة على المسرح الدولي، مدللة على ذلك بما يؤشر إليه الاختراق الأخير الذي حققته كل من البرازيل وتركيا، فيما يتعلق بالملف النووي الإيراني. واعتبرت الصحيفة أن الدول البازغة التي تعاظم تأثيرها الدولي خلال الفترة الأخيرة في قضايا البيئة، والتجارة العالمية، يبدو أنها دشنت الآن أيضاً مرحلة جديدة هي حجز مكان مؤثر لها في تسيير وتدبير أكثر ملفات السياسة الدولية تعقيداً وحساسية، ولا أدل على ذلك من اشتباكها مع ملفات كان التعامل معها شبه محجوز سلفاً للدول الكبرى التقليدية، مثل ملف الانتشار النووي في الشرق الأوسط. واعتبرت لوموند أن الاتفاق الذي توصلت إليه تركيا والبرازيل مع إيران، مطلع هذا الأسبوع، بشأن "النووي"، وتقدمتا به إلى الأمم المتحدة، من شأنه أن يغير كثيراً من المعطيات على الساحة الدولية، حيث يزيح عمليّاً احتكار مجموعة الخمسة وألمانيا التعامل مع هذا الملف الشائك. والرسالة الأساسية المتضمنة التي يريد "لولا" وأردوغان إسماعها للقوى الكبرى هي أنه يستحيل الآن رسم توجهات ومسارات السياسة الدولية دون وضع دول الجنوب البازغة في الاعتبار. وفي اليوم الموالي لإعلان الاتفاق وضع الزعيمان التركي والبرازيلي النقاط على الحروف، فيما يتعلق بتطلعاتهما البعيدة، حين طالبا بضم بلديهما إلى مجموعة 5+1 الخاصة بنووي إيران. وفي سياق ذي صلة ركزت افتتاحية للكاتب بيير روسلين في صحيفة لوفيغارو على توجهات سياسة تركيا الخارجية الجديدة، ملخصاً فيها الخطوط العريضة لمقال بهذا الشأن كتبه مؤخراً وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو في مجلة "فورين بوليسي"، وأكد فيه أن دبلوماسية تركيا الجديدة تقوم على ثلاثة مبادئ موجهة هي العمل وفق نظرة شمولية في المسرح الشرق أوسطي، والعمل النشط في ذات الوقت وبذات الزخم في كافة الساحات الدولية الأخرى مثل آسيا الوسطى والبلقان وإفريقيا... وأخيراً التركيز على استثمار قوة تركيا المرنة ممثلة في الجانب التجاري الاقتصادي، كمصدر جاذبية للشراكات الدولية. كما تقوم هذه الدبلوماسية أيضاً على خمسة مبادئ إجرائية هي العمل لترويج وتعزيز أجواء الأمن والحريات العامة، وتبني سياسة "صفر مشاكل" في التعامل مع دول الجوار، وتنفيذ دبلوماسية وقائية تجاه الأزمات،، وأخرى متعددة الأبعاد والمسارات تجاه روسيا وأوروبا والولايات المتحدة، وأخيراً استغلال الدور في مجموعة العشرين لتقوية حضور تركيا الدولي. وأما أهداف هذه السياسة فهي استكمال شروط عضوية الاتحاد الأوروبي بهدف التحول إلى عضو مؤثر فيه في أفق سنة 2023، وضمان تحقق الاندماج الإقليمي في فضاء تركيا وحل مشكلاته، ولعب دور دولي مؤثر بهدف تحول تركيا إلى واحد من أكبر عشرة اقتصادات في العالم. ميركل وأوروبا و"الأزمة" الكاتب هوبير كودرييه استعرض في افتتاحية كتبها في "لوتلغرام" دلالات لقاء أجرته ميركل مع ثلاث من كبريات الصحف الأوروبية هي لوموند الفرنسية، وإلبايس الإسبانية، و"الكرييرا ديلاسيرا" الإيطالية، تحدثت فيه عن رؤيتها لكيفية الخروج من مأزق "اليورو"، واستطراداً مأزق الاتحاد الأوروبي الراهن. ولفت الكاتب الانتباه بصفة خاصة إلى معنى ما تسميه ميركل "ثقافة الاستقرار" الاقتصادي، التي تدعو شركاءها الأوروبيين إلى تبنيها، وتؤكد أنها بالنسبة لألمانيا أمر مفروغ منه، وغير قابل للنقاش من واقع مرارات تاريخها الخاص، مشيرة ضمناً إلى حقيقة كون إطلاق الحبل على الغارب لعجوزات الميزانية في العشرينيات هي ما تكشف لاحقاً عن صعود أهوال النازية في الثلاثينيات من القرن الماضي. وهذا هو ما يفسر الآن تعلق الألمان الكبير بسياسات الميزانية الصارمة جداً. ومع محاولتها عدم إعطاء انطباع عن نزعات انعزالية في مواقفها الأوروبية الراهنة إلا أنها أكدت مع ذلك أن بلادها لم تتخل عن عملتها "المارك" وتتبنى "اليورو" من أجل أن تتحول هكذا إلى مايسترو منظم لمنطقة تحويلات مالية. كما دعت ميركل شركاءها الأوروبيين إلى الاستثمار في التقنيات الجديدة، والعمل على التخلص من أعباء الديون، وفي المحصلة الاستفادة من الأزمة الراهنة لتعزيز التنافسية. وعن "ثقافة الاستقرار" هذه التي تروج لها ميركل في أوروبا اليوم كتبت لوفيغارو أيضاً مقالاً قالت فيه إن المستشارة لا تضع في اعتبارها، في غمرات حججها، حقيقة الاختلاف الشديد بين مستويات وتحديات اقتصادات دول الاتحاد الأوروبي الآن. وإن كان هذا لا يعني أيضاً ضرب الصفح عن وجاهة ما تطرحه من أفكار، حتى لو فعلت ذلك لامتصاص استياء الرأي العام الألماني المتذمر من دفع تكاليف إسراف دول أوروبية أخرى كاليونان. ومع صلابة منطق ميركل، وتصلبها الواضح في التمسك بقناعتها، إلا أن بعض تلك القناعات ليس فوق النقد بكل تأكيد. وأكثر من هذا أن ميركل تتخذ أحياناً مواقف واضحة الأحادية. وأخيراً في افتتاحية أخرى لـ"لوفيغارو" بعنوان: "ميركل: الفن والطريقة" اعتبرت الصحيفة أن الأزمة الوجودية التي تواجه "اليورو" اليوم كفيلة بجعل أوروبا كلها تتبنى النموذج المالي الألماني الذي تسميه ميركل "ثقافة الاستقرار". ومع عدم محاكمة نوايا المستشارة الحقيقية من وراء خطاباتها الراهنة، وإن بدت للبعض نوعاً من استعراض قوة ألمانيا وقدرتها على إملاء شروطها على شركائها شبه المفلسين، إلا أن عليها أيضاً أن تعرف أن العبرة في سياساتها ستكون من خلال النتائج وحدها. وبصفة عامة، إذا كانت أوروبا تريد الإبقاء على عملتها، عليها إعطاء انطباع واضح عن استمرار التعلق بالوحدة، حتى لو كان ذلك في سياق من التعدد والتنوع. وهنا لاشك أن لألمانيا دوراً محوريّاً تستطيع لعبه. وطبعاً لن يمكن إنقاذ "اليورو" بالتظاهر بمظهر الفارس الوحيد في الميدان. إعداد: حسن ولد المختار