لاحظت أن كثيراً من ذكريات الأمة حول الأحداث الكبرى والمسائل المهمة موجود في حوزة الأفراد الذين كانوا في مواقع المسؤولية الرسمية أو كانوا على صلة قربى من أبطال الأحداث. في إطار هذه الملاحظة أسجل طريقتين لإحياء مخزون ذكريات الأمة واستدعائه من ذاكرة هؤلاء الأفراد. الطريقة الأولى هي المتبعة في دار الكتب والوثائق المصرية، والتي تتيح لأي مواطن أن يودع في خزائن الدار ما لديه من وثائق أو شهادات، بدءاً من تسجيلها صوتياً وانتهاءً بإيداع أصول الموضوعات مع وضع شروطه كمودع حول مدة وظروف الإفراج عن هذه الذكريات والسماح للجمهور بالاطلاع عليها. أما الطريقة الثانية التي اكتشفتها بنفسي من خلال مقالاتي بالصحافة المصرية منذ كنت أصدر ملحقاً متخصصاً في الدراسات الإسرائيلية منذ السبعينيات وحتى اليوم، فتتمثل في تفاعل القراء مع الموضوعات الصحفية المنشورة، والتي تتصل بذكرياتهم. لعل أحد النماذج القديمة الحية في ذهني هو نموذج المقالات التي نشرتها عن وثائق حرب أكتوبر التي تسربت عن الجانب الإسرائيلي في الذكرى العاشرة للحرب عام 1983. فلقد تفاعل جنود وضباط مصريون مع هذه المقالات وأمطروني بكمية هائلة من الوثائق والخرائط العسكرية الإسرائيلية التي عثروا عليها في خنادق خط بارليف الحصين الذي كان قائماً على حافة قناة السويس. لقد سمح الجيش المصري لهم بالاحتفاظ بها على سبيل الذكرى وكانت تضم كثيراً من التفاصيل المهمة المتعلقة بالاستعدادات الإسرائيلية للمعركة، وبتوجيهات فرع التوجيه المعنوي الإسرائيلي للجنود والضباط حول أهمية سيناء لإسرائيل. لقد تكرر هذا الأمر عام 1985 عندما ألقيت محاضرة حول الموضوع في المجمع الثقافي بأبوظبي، ودهشت في أعقاب المحاضرة عندما صافحني شاب مصري اسمه سعد زغلول، ذكرني أنه جندي الاستطلاع المصري الذي أرسل إليَّ عام 1983 بعض الوثائق الإسرائيلية، فطلبت أن يكتب ذكرياته ويومياته كاملة ونشرتها في "الاتحاد" بعنوان يحمل اسمه وصفته القتالية. يجب أن تكون لدينا مؤسسات تهتم بتجميع هذه الوثائق من الصحافة وتبويبها وحفظها إرثاً للأجيال التالية، فهي لا تقل أهمية عن النقوش التي تركها أسلافنا على جدران معابدهم، والتي تزودنا اليوم برؤية واضحة عن تاريخهم. أثارت هذا الموضوع عندي وجددته استجابتان حديثتان حصلت عليهما من القراء بعد نشر موضوعين متتاليين في مقالي الأسبوعي بصحيفة "المصري اليوم"، يتصلان بالتاريخ الحديث. كان الأول متصلاً بعدوان بريطانيا وفرنسا وإسرائيل على مصر عام 1956 واحتلال مسقط رأسي مدينة بورسعيد، وكان الموضوع مركزاً بالذات على واقعة قيام ضابط من قوات الاحتلال بإطلاق النار على قلب زميلي بالمدرسة آنذاك التلميذ حسن سليمان حمود. ورغم مرور 54 عاماً على الواقعة وانقطاع أخبار أسرة الشهيد، فلقد تفاعل شقيقه وأرسل لي مجموعة من الوثائق الخاصة بالواقعة، والتي كشفت عن أن قوات الطوارئ الدولية قامت بالتحقيق في الجريمة، وهو ما فتح الباب أمامي لمعرفة ما تم في التحقيق مع الضابط القاتل، خاصة أن جرائم الحرب لا تسقط بالتقادم. أما الموضوع الثاني فقد عالجت فيه رؤية أدب الحرب الإسرائيلي لعملية إغراق المدمرة الإسرائيلية إيلات عام 1967 أمام بورسعيد، وقد تفاعل مع الموضوع شقيق النقيب أحمد شاكر القارح قائد سرب الزوارق الذي أغرق المدمرة، فأمدني بمجموعة من الوثائق المكتوبة وكذلك بروايات شفوية سمعها من شقيقه القائد الذي استشهد في معركة تالية. هذه الأمثلة تشير إلى ثراء مخزون الأفراد من ذكريات الأمة، وتلفت الأنظار إلى أهمية تجميع هذه الذكريات وحفظها لمن يحتاجها في المستقبل. د. إبراهيم البحراوي أستاذ الدراسات العبرية - جامعة عين شمس