بعد ثمانية أشهر من الدراسة والتأمل، أعلن فريق من الخبراء كلف من قبل الأمين العام لحلف "الناتو"، وبرئاسة وزيرة الخارجية الأميركية السابقة، أولبرايت، عن نشر تقريره خلال الأيام القليلة الماضية. وعليه فسوف يعمل الأمين العام للحلف على إعداد مفهوم استراتيجي جديد، بهدف موافقة الحلفاء عليه خلال قمة تعقد في لشبونة في شهر نوفمبر المقبل. وفيما لو كشف هذا التقرير المبني على دراسة متعمقة لواقع اليوم، فهو لا شك بيّن أن التحديات التي تواجهها مجتمعات عصرنا الحالي، باتت أكبر من أن يتصدى لها الحلف بمفرده. هذا وقد بذل فريق أولبرايت جهداً مقدراً في تطوير مفهوم جديد للناتو. بيد أننا بحاجة إلى فعل أكثر من ذلك: إعادة بناء نظام عالمي قادر على حماية وتعزيز القيم الديمقراطية في القرن الحادي والعشرين، وتحديث ذلك النظام العالمي الذي أنشئ في أعقاب الحرب العالمية الثانية. وكان حلف الناتو قد تأسس في عام 1949، ضمن مجموعة واسعة من المؤسسات التي قصد منها تنظيم عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية. وقد أعرب قادة أوروبا والولايات المتحدة الأميركية عن رؤية ثاقبة حينها، بإنشائهم للأمم المتحدة والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، ونشرهم الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وكذلك إنشاء محكمة العدل الدولية، والمجموعة الأوروبية للفحم والحديد الصلب التي تمخض عنها لاحقاً الاتحاد الأوروبي... وغير ذلك من المؤسسات. وكان حلف الناتو بمثابة الذراع العسكرية لنظام غربي أوسع نطاقاً، هدف إلى حماية وتوسيع الفضاء الملائم للقيم الديمقراطية والأمن في عالم ما بعد الحرب. بيد أن ذلك العالم لم يعد له وجود الآن. فقد حل محله عالم شديد التباين، من النواحي السياسية والجغرافية والاقتصادية. وبدا النظام العالمي الذي كان يدعمه متصدعاً اليوم. وهذا ما يستدعي إعادة النظر في جميع فرضياتنا ومؤسساتنا السابقة، بما فيها الناتو نفسه. ولعل أبرز التحديات التي يواجهها مجتمع القرن العشرين، هي الآتي: أولا: لقد وضعت العولمة العالم كله في فضاء دولي واحد، لذلك فإن ما يحدث داخل دولة فقيرة في إفريقيا أو آسيا أو منطقة الشرق الأوسط، يمكن أن تكون له تداعيات وآثار عالمية لم يكن ممكناً تصورها قبل عقد واحد من الزمن. ثانياً: بروز قوى دولية جديدة خارج إطار الأسرة الأطلسية. فقد كانت هناك اليابان واقتصادات النمور الآسيوية حينها، أما اليوم فهناك الصين والهند والبرازيل وجنوب إفريقيا وغيرها من الاقتصادات الناهضة. وفي حين تتسم الكثير من هذه الاقتصادات بكونها ديمقراطية، إلا إن الصفة نفسها لا تنطبق على الصين، مع العلم أنها الاقتصاد الأكبر بينها جميعاً. وحتى الاقتصادات الديمقراطية نفسها، لها مصالحها الإقليمية والدولية المتباينة وهي تتعامل مع نظام عالمي أنشأه الغير من أجلها. كما تواجه رأسمالية السوق تحديات أيديولوجية جديدة في عالم اليوم. ولعل أوضحها تراجع ثقة هذه الرأسمالية في الاقتصاد العالمي جراء الأزمة المالية الاقتصادية الأخيرة، وتزايد ديون الاقتصادات الأطلسية، وغيرهما. ثالثاً: في الوقت نفسه، تنظر رأسمالية السوق هذه إلى الاقتصاد الشمولي الصيني باعتباره نموذجاً يحتذى بسبب استقراره وسرعة نموه وتحقيق وعده الاجتماعي. ليس ذلك فحسب، بل يشير المتطرفون الإسلاميون إلى عدم عدالة النظام العالمي الحالي القائم على القيم الغربية، بينما ينظرون إلى العلمانية باعتبارها تفسخاً أخلاقياً. رابعاً: هناك الخطر الأمني الذي تمثله "الدول المارقة"، بسبب طموحاتهما النووية، وما يعني ذلك من فتح نافذة جديدة للانتشار النووي وخطر سباق التسلح النووي بين الدول في القرن الحادي والعشرين. خامساً: لقد أصبحت إمدادات الطاقة والثروة القائمة على الطاقة أداتين جديدتين لممارسة النفوذ الإقليمي والدولي على حد سواء. وقد لحظنا أثر ذلك بوضوح في علاقات روسيا بجاراتها من الدول المستقلة عنها حديثاً. سادساً: فشل النظم والمؤسسات الدولية التي نشأت ضمن ترتيبات ما بعد الحرب. وقدر رأينا من ذلك كيف ظلت تصارع الأمم المتحدة من أجل بقائها لعدة سنوات، قبل أن تتمكن من تبني خطة لإجراء إصلاحات جوهرية لمنظومتها. وبما أن تلك هي أهم التحديات التي تواجه مجتمعاتنا المعاصرة، فكيف نعيد بناء نظام عالمي جديد أكثر ملاءمة للقرن الحالي؟ الإجابة هي أربع طرق نلخصها فيما يلي: أولا: يتعين على قادة الدول والحكومات التنسيق فيما بينهم والعمل معاً من أجل التوصل إلى طريقة مشتركة تمكنهم من التصدي لتحديات القرن، مع العلم أنها تحديات تتطلب مواجهتها جماعياً وعلى أساس كلي. ثانياً: علينا وضع رؤية صحيحة لكيفية إعادة بناء النظام العالمي. ولا تقتصر هذه الرؤية بالطبع على مجرد تنفيذ معاهدة لشبونة أو إصلاح الناتو. ثالثاً: لابد أن تصحب هذه الرؤية الصحيحة استراتيجية فعالة قابلة للتطبيق. ومن رأيي أن تقوم هذه الاستراتيجية على مفهوم "الحلفاء أولاً"، إلى جانب التصدي للنظم الشمولية ولمروجي الانتشار النووي ومنتهكي حقوق الإنسان إلى آخره. رابعاً: إدارة الحوار الصريح المفتوح مع الشعوب والاستماع إلى رأيها ووجهات نظرها، والسعي للحصول على دعمها وتأييدها للخطط التي يجري تنفيذها. فليس لخطة مفروضة على الشعوب من أعلى أن تنجح أو تحقق غايتها مهما كانت درجة صحتها وحرصها على خدمة المواطنين. وهذا يستوجب مشاركة الشعوب نفسها في صنع القرارات والسياسات قبل كل شيء. وعلى القادة أن يشرحوا للناخبين صعوبة الخيارات المتاحة أمامهم، بما في ذلك الاضطرار في بعض الأحيان لاتخاذ الخيارات غير المستحسنة للناخبين، تجنباً لما هو أسوأ على المدى البعيد. كورت فولكر سفير أميركي سابق لدى "الناتو" ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"