لم يعد الاتحاد الأوروبي يعرف أين يقف الآن، ما في ذلك شك.. ولكن "الناتو" يعتقد أنه يعرف ويراهن على تلك المعرفة. والسؤال هنا هو: هل هناك حقاً مستقبل لـ"الناتو".. أم أن ساعة تفكيكه قد حانت بالفعل؟ الشاهد أن تصرفات الألمان تحت قيادة الحكومة المحافظة التي تقودها "ميركل" ينظر إليها من قبل كثير من المراقبين الآن على أنها تؤشر على أن نهاية الاتحاد، إذا لم تكن قريبة، فهي على الأقل محسومة سلفاً. فألمانيا وفقاً لأصحاب هذه النظرة، ستعود مرة أخرى إلى عملتها "المارك"، وتزيد طاقاتها الإنتاجية والتصديرية، وتمضي قدماً إلى الأمام محققة نموذجها الخاص في التفوق الفردي في القارة الأوروبية. ولكن نظراً إلى أن معظم صادرات ألمانيا هي إلى جيرانها في الاتحاد الأوروبي، فإن ذلك في حد ذاته يعني أن التنكر للاتحاد والتخلي عنه واتباع سياسة منعزلة لن يمضي قدماً أكثر من الحد الذي مضى إليه حتى الآن. ويرجع ذلك لأسباب منها على سبيل المثال إغراء الصادرات الألمانية إلى تلك الدول، التي تحقق لألمانيا أرباحاً كبيرة، وتشمل البضائع الصناعية، والأدوات الميكانيكية، والمواد الكيماوية والسيارات البرجوازية الفاخرة مثل مرسيدس و"بي. إم. دبليو"، والسيارات العائلية العملية، التي تشمل فولكس فاجن وأوبل وفورد، بل والسيارات الصغيرة من طراز "سمارت". وتضاف إلى ذلك أيضاً الصناعات الألمانية عالية التقنية التي يمكن القول إنها تشمل كافة الصناعات التي دفعت فرنسا شريكتها ألمانيا إلى تصنيعها بعد أن اشتكت وتذمرت من ارتفاع تكلفتها مثل "إيرباص" و"وكالة الفضاء الأوروبية"، والقطارات فائقة السرعة، والطاقة النووية. والسؤال هنا كيف يمكن تفكيك كل ذلك إذا ما قررت ألمانيا أن تعود لاستخدام المارك الألماني وتشق طريقاً منفرداً؟ الحقيقة أن فكرة الانفصال عن الاتحاد الأوروبي، إن كانت من الأفكار التي يمكن أن تخطر في الذهن أحياناً، إلا أن من غير الوارد التفكير فيها إلا نادراً، وذلك بسبب تشعباتها السياسية. وأنا شخصياً لا أعتقد أن ألمانيا سواء في عهد "ميركل" أو في عهد من سيأتي بعدها في الحكم ستنفصل بشكل قصدي عن الاتحاد الأوروبي، وهو ما يمكن استنتاجه ضمناً من التصريح الذي أدلت به ميركل في لقاء لها الأسبوع الماضي مع صحيفة "لوموند" الفرنسية حين قالت: بالنسبة لألمانيا تعتبر ثقافة الاستقرار أمراً غير قابل للتفاوض" . بيد أن الشيء الذي يمكن لألمانيا أن تفعله على رغم ذلك هو البقاء في الاتحاد الأوروبي، ثم السعي بعد ذلك لإثبات أنها قد أصبحت أكثر مرونة في التعامل بالنسبة للموضوعات التي تهم الاتحاد وعلى رأسها موضوع العملة الموحدة. والسؤال الأكثر إشكالية من وجهة نظري، هو ما الذي سيحدث لـ"الناتو" ذاته؟ وهو سؤال يتعلق بالسلاح وليس بمنتجات الزبدة أو حتى بـ"آيرباص". والشاهد في هذا الكلام أن رغبة الولايات المتحدة، منذ نهاية الحرب الباردة، كانت تتمثل في تحويل "الناتو" إلى حلف عسكري تابع لها يكون خاضعاً عمليّاً لسيطرة البنتاجون، وهو ما يمكن القول -بشكل عام- إنه قد حدث بالفعل. وهذا تحديداً هو السبب الذي دعا أميركا إلى أن تعارض بشراسة فكرة تكوين جهد دفاعي أوروبي مستقل. ففي مؤتمر خبراء "الناتو"، الاثنين الماضي، الذي بُحثت فيه مقترحات تتعلق بما يجب أن يكون عليه "الناتو" بحلول عام 2020، وجهت أولبرايت وزيرة الخارجية الأميركية السابقة سؤالا إلى الأوروبيين هو: لماذا يجب على أوروبا أن تدفع تكاليف الدفاع عن نفسها مرتين؟ أستطيع أن أفكر في سبب مسكوت عنه، يدفع الأوروبيين إلى التفكير في الدفاع عن أنفسهم بأنفسهم هو أن التهديد الذي يمكن أن يحتاجوا إلى الدفاع عن أنفسهم منه مستقبلا قد يكون تهديداً أميركيّاً أو إسرائيليّاً. وهنالك في أجندة الأطلسي -وواشنطن- أوهام جيوبوليتيكية هستيرية دون شك.. على رغم أن عودة أشخاص مثل أولئك الذين كانوا موجودين في إدارة بوش إلى الحكم، لا يبدو لي مجرد وهم تماماً. وأولئك "الصقور" الأميركيون سيتوقعون بالطبع أن ينضم إليهم "الناتو" عند الضرورة في مغامراتهم الخارجية الكثيرة. والحال أن الموضوع الذي كان محور الاهتمام في قيادة "الناتو" في بروكسل، الاثنين الماضي، كان الحاجة إلى وجود "استعداد من قبل الحلف للعمل وخوض القتال بعيداً عن حدوده"، وهو ما تمثل في الكلمة التي ألقاها السكرتير العام للاتحاد "أندرس فوغ راسموسن" التي قال فيها: "في عالم اليوم قد نضطر إلى الذهاب إلى ما وراء حدودنا للدفاع عن أمننا" وهو بذلك يبدو كما لو كان يعرّف حالة كأفغانستان عمليّاً بأنها النقطة التي ستبدأ عندها حدود أووربا. ويليام فاف كاتب ومحلل سياسي أميركي ينشر بترتيب خاص مع خدمة "تريبيون ميديا سيرفيس"