بغضّ النظر عن النتائج الانتخابيّة المتواضعة، التي أحرزها حزب الليبراليّين الديمقراطيّين، قياساً بعدد النوّاب الذين حصلوا عليه، يبقى أنّ "نك كليج"، قائدهم الشابّ، تحوّل نجماً للتقدميّين في بريطانيا. وهذا ليس عائداً فحسب إلى الجاذبيّة التي تمتّع بها كليج في المناظرات التلفزيونيّة الثلاث التي سبقت الانتخابات العامّة، لاسيّما الأولى منها. إذ هناك أسباب أخرى بعضها يتّصل بالليبراليّين الديمقراطيّين أنفسهم، وبعضها يتعلّق بالحزبين المنافسين الآخرين، العمّال الجدد والمحافظين. فالليبراليّون الديمقراطيّون يتمتّعون، في هذا الوسط، بميزات تفضيليّة خمس على الأقلّ: فهم، أوّلاً، ضحايا ظلم سياسيّ مديد لاحق بهم من جرّاء النظام الانتخابيّ غير النسبيّ وغير العادل الذي يجعلهم ينالون حصّة من الأصوات الشعبيّة أكبر بكثير ممّا يترجمه عدد المقاعد التي يحرزونها (23 في المئة من الأصوات ولكنْ 57 مقعداً فحسب من أصل 650 هي مجموع مقاعد مجلس العموم). وهم، ثانياً، أوروبيّو الهوى والميل، يؤكّدون، ضدّاً على المحافظين، وبجرأة لا يتمتّع بها العمّال الجدد، أنّ مصلحة بريطانيا إنّما تقيم في أوروبا اتّحاداً وعملةً وسياسات خارجيّة، وليس في "انجلترا الصغرى". وهم، ثالثاً، لا يتحمّلون مسؤوليّة أيّ من السياسات الخاطئة والفاشلة التي ارتبطت بحزب العمّال الحاكم منذ 1997، أو بحزب المحافظين الذي كان له السهم الأكبر في صياغة بريطانيا المعاصرة من خلال الحقبة التاتشريّة المديدة وتتمّتها مع جون مايجور. وهم، رابعاً، يمثّلون الليبراليّة القصوى فيما يخصّ المواقف الاجتماعيّة المتّصلة بحريّات الفرد، سلوكاً وديناً ورأياً وممارسةً وغير ذلك، من دون أن تكون سياساتهم الاقتصاديّة "يمينيّة" بالمعنى الذي يوصف به حزب المحافظين المناهض لكلّ دور تصحيحيّ أو تدخّليّ تقوم به الدولة. وأخيراً، وفيما يتعلّق بالشأن الخارجيّ، اتّبع الليبراليّون الديمقراطيّون دوماً سياسة لا تهاود في رفض الحروب، وكان آخر تعابيرها موقفهم القاطع في عدائه الجذريّ لحرب العراق. والأسباب الخمسة هذه تجد ما يعزّزها في موقف البيئة التقدّميّة من حزب العمّال، أو العمّال الجدد. فالسائد أنّ هؤلاء الأخيرين لم يستطيعوا البتّة إثبات "الجدّة" التي بالغوا في نسبتها إلى أنفسهم والتي سبق أن نظّر لها غيدنز وبلير وبراون. فالتحسينات الاقتصاديّة والاجتماعيّة التي أحدثوها على امتداد 13 سنة كانت أقلّ بكثير من المتوقّع، فضلاً عن أنّ الأزمة الماليّة والاقتصاديّة التي أطلّت برأسها في 2008 أطاحت بمعظم مكاسبهم الضئيلة. وأخيراً جاءت فضيحة النفقات البرلمانيّة لتكون ثالثة الأثافي. ولئن لم يخط العمّال أيّة خطوة شجاعة على الصعيد الأوروبيّ، أو على الصعيد الاجتماعيّ الثقافيّ، فإنّ الالتحاق الذي أبدوه بالسياسة الأميركيّة كان عديم الشعبيّة وجالباً لنفور البيئة التقدّميّة العريضة منهم. والمعروف أنّ هذا الالتحاق يجد مثَله الساطع في العلاقة التي ربطت رئيس الحكومة العمّالي السابق، بلير، بالرئيس الأميركيّ السابق، المكروه في أوروبا، بوش. فكيف وقد شاب الحرب على العراق، التي شكّلت ذروة الالتحاق البريطانيّ بالولايات المتّحدة، الكثير من التضليل والكذب ممّا لا تكفّ البيئة التقدّميّة عن التنصّل منه وإبداء الخجل حياله. إلى ذلك، ولئن مثّل براون، خليفة بلير في قيادة العمّال الجدد، درجة أعلى من الرصانة وحسّ الاستقلاليّة مقارنةً بسلفه، فإنّه أبدى من الترفّع الثقافيّ والبيروقراطيّ المصحوب بنقص مدهش في الكاريزما، ما يحول دون الإقرار بدور قياديّ له. وفي المقابل، ليس حزب المحافظين أصلاً بالطرف التنافسيّ في هذه البيئة التقدّميّة. فهو دائماً الحزب -الضدّ الذي يُنظَر إليه بوصفه الأكثر قوميّة ورجعيّة. ولئن حاول قائده الجديد، كاميرون، تغيير هذه الصورة، وإضفاء قدر من الشبابيّة والعصريّة عليها، فقد بقيت محاولته هذه في إطار الشكل والاستعراض اللذين لم يُحمَلا كثيراً على محمل الجدّ. ومع هذا فالسؤال الذي طرحته نتيجة الانتخابات، فيما يعنينا هنا، سيكون مهمّاً على المدى الأبعد. فقد انتهت إلى "برلمان معلّق" بسبب عجز أيّ من الأحزاب عن إحراز الأغلبيّة المطلقة. وهذا يعني انكسار نظام الحزبين الذي قامت عليه الديمقراطيّة البريطانيّة تقليديّاً، واضطرار الحزب الذي جمع أكبر عدد من المقاعد، أي المحافظين، إلى التحالف مع حزب كليغ الذي صار فجأة، حسب التعبير الذي استخدمته وسائل الإعلام مؤخّراً، "صانع الملوك" الذي يتحكّم بأيّ رئيس للحكومة وبأيّة تشكيلة حكوميّة محتملة. فهل سينجح الائتلاف الحكوميّ الجديد الذي سيكون الأوّل من نوعه منذ نهاية الحرب العالميّة الثانية؟، وكيف سيؤثّر ذلك على صورة كليغ بوصفه نجم البيئة التقدّميّة؟ ما من شكّ في أنّ الجواب عن هذين السؤالين الحاسمين سيرتبط ارتباطاً وثيقاً بالكيفيّة التي سيصار بموجبها إلى تذليل خلافات الحزبين داخل الحكومة الائتلافيّة. فالمعروف أنّ الليبراليّين الديمقراطيّين يختلفون عن المحافظين في أصولهم، حيث يمثّل الأوّلون القطاع الأكثر مدينيّة وصناعيّة في البورجوازيّة الإنجليزيّة، بينما يستأنف المحافظون التعبير عن بورجوازيّة كمنت جذورها في ملكيّة الأرض قبل أن تترسمل من خلال المصارف و"السيتي". بعد ذاك، لاسيّما في العقدين الأخيرين، تلقّح وعي الليبراليّين الديمقراطيّين بحسّ اجتماعيّ أقرب إلى يساريّة تكاد تكون اشتراكيّة ديمقراطيّة. ويبدو الآن أنّ التسوية الائتلافيّة أقرب إلى توجّهات المحافظين. ففي ما خصّ القوّة النوويّة أُقرّ الحفاظ عليها تماماً كما أُقرّ تشكيل مجلس حرب مصغّر لإدارة الحرب في أفغانستان. أمّا اقتصاديّاً، فقد قضى ظهور ركود هو الأسوأ منذ الحرب العالميّة الثانية، بتزكية وجهة النظر المحافظة في عصر الإنفاق، رغم التحسينات الطفيفة الموعودة للفئات الأفقر. كذلك أُقرّ اللجوء إلى الاستفتاء حيال نظام الاقتراع النسبيّ، وقد يتمّ التوصّل إلى "الخلاص" نفسه بالنسبة إلى أوروبا. وهذا ما يشجّع فعلاً على التساؤل عن مستقبل العلاقة بين الحزب الصغير والبيئة التقدّميّة في تعريفها الأعرض.