يسعى الدكتور أحمد شكارة -وهو باحث وأستاذ للعلوم السياسية في عدد من الجامعات العربية والغربية، وله عدة مؤلفات وبحوث تتناول بعض أهم قضايا الشرق الأوسط والخليج العربي- يسعى في كتابه الجديد، "مصادر التهديد لدول الخليج العربية وسياسات الأمن لديها"، والذي نعرضه هنا بإيجاز، إلى استجلاء نظرات اللاعبين الرئيسيين في سياسات الخليج إلى أوضاعهم، والتهديدات التي تواجه تلك الأوضاع، والسياسات المتعلقة بدورهم في تحقيق الأمن، لاسيما منذ هجمات 11 سبتمبر ثم غزو العراق. ولتحقيق هذا الفهم، يثير الكتاب عدداً من التساؤلات، ويسعى عبر مناقشتها إلى وضع أساس لنظام أمن استراتيجي جماعي جديد لمنطقة الخليج، يشمل السياسات والمواقف الخاصة بالأطراف الرئيسية، أي دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية والولايات المتحدة الأميركية و"العراق الجديد" وإيران. وفيما يخص التهديدات الأمنية المتوقعة، يوضح المؤلف أن أمن الخليج كان يوصف دائماً بكونه "في مرحلة تحوّل". أما من منظور مجلس التعاون لدول الخليج العربية، فهناك مجموعة قضايا متشابكة يسلط الضوء على اثنتين منها: تأثير وضع العراق الأمني غير المستقر، ونوايا إيران لبسط "سيطرتها" الإقليمية. ولإيضاح هاتين القضيتين يتوقف الكاتب عند مرئيات واشنطن تجاه المنطقة، لاسيما بعد إزالة نظام "البعث" من العراق. وقد أكدت السياسات المعلنة لواشنطن بعد غزو العراق على أهداف أهمها: نز أسلحة الدمار الشامل من العراق، واحتواء الإرهاب العالمي، ونشر الديمقراطية تدريجياً في المنطقة. لكن كما يلاحظ المؤلف، فإن الغزو لم يستطع الكشف عن وجود أسلحة نووية، ولم يقض على الإرهاب والعنف، ولم يطلق "تسونامي ديمقراطي" في الشرق الأوسط. بل أدى الغزو، بتداعياته الأمنية، إلى حالة انفلات غير متوقعة أعاقت إعادة الاستقرار إلى عراق ما بعد الحرب، كما تعذر تحقيق المصالحة الوطنية العراقية، وتأخرت إعادة الإعمار سنوات طويلة، واتضح أن العراق سيحتاج إلى وقت أطول وإمكانات أكبر لإنشاء جيش قوي يستطيع أن يجعله في موقف الند للدول المجاورة. وكما يوضح الكاتب، فإن الفشل الأميركي في صون سلامة العراق الوطنية والإقليمية، فتح باب التدخلات أمام الدول المتاخمة، مما أصبح يهدد وحدة البلاد وينذر بتقسيمها على أساس عرقي وطائفي، وهو سيناريو له مخاطره على منطقة الشرق الأوسط وضمنها الخليج العربي؛ مما قد يشجع أنقرة على التدخل في الأجزاء الشمالية من العراق، وطهران على التدخل في المناطق الجنوبية والفرات الأوسط. لذلك لا غرابة إن أصر معارضو الوجود الأميركي في العراق على القول إن بقاءه سيثير مزيداً من العنف، وأنه جزء من المشكلة وليس حلاً لها. أما دول مجلس التعاون فهي بحاجة لتحديد ما إذا كان الوجود العسكري الأميركي في العراق، يحقق مصلحتها الأمنية أم أن هناك بديلاً أفضل، هو مثلا بقاء وحدات صغيرة وفاعلة من القوات متعددة الجنسيات، بهدف الحفاظ على الأمن إلى أن تصبح القوات العراقية قادرة على توليه بكفاءة. لكن كيف يفيد ضعف القوة العسكرية العراقية القوى الإقليمية، لاسيما إيران؟ يجيب المؤلف بالقول إن دول مجلس التعاون مدركة تماماً حقيقة أن استثناء العراق من المعادلة الاستراتيجية في المنطقة يفسح مجالاً أوسع لإيران الساعية إلى النفوذ في العراق من خلال تأثير قوتها العسكرية وتحالفاتها السياسية... وهي تحالفات قد تعتبر دول "التعاون" أنها تأتي على حساب أمن الخليج. والقضية الأخرى التي تثير القلق على أمن دول مجلس التعاون تتعلق بالملف النووي الإيراني، سواء لكونه قد يطلق سباقاً نووياً هو آخر ما تحتاجه المنطقة، أو بسبب مخاطر احتمالات الحرب جراء الخلاف المحتدم حول هذا الملف بين طهران والعواصم الغربية، أو بالنظر إلى مخاطر التلوث البيئي في حال حدوث أي خطأ أو حادث تقني في أحد المفاعلات النووية الإيرانية. ورغم الدور الأساسي الذي ما زالت تتطلع به الولايات المتحدة، كقوة عالمية عظمى، في دعم القدرات الدفاعية الأمنية لدول التعاون، فإن العلاقات الخليجية الأميركية ما تزال "متوترة" بعد هجمات سبتمبر، وهو توتر ازداد بعد الغزو الأميركي للعراق، مما يعزز الحاجة إلى تفعيل الاتفاقيات والأطر الدفاعية الخليجية المشتركة، جماعية كانت أم ثنائية. وثمة نقطة مهمة في هذا الصدد يوردها المؤلف، وهي أنه رغم تنوع مصادر واردات أميركا من النفط، يبقى نفط الخليج محوراً رئيسياً لسياسة واشنطن إزاء المنطقة؛ فالعراق وحده يمتلك احتياطيات تتجاوز 112 مليار برميل، أي ثاني أكبر احتياطي نفطي في العالم. محمد ولد المنى ------ الكتاب: مصادر التهديد لدول الخليج العربية وسياسات الأمن لديها المؤلف: د. أحمد شكارة الناشر: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية تاريخ النشر: 2010