فرنسا قبل فترة حسمت أمرها من الناحية القانونية بحظر استخدام الرموز الدينية في المدارس والجامعات، ومن ضمنها طبعاً الحجاب فيما يتعلق بزي المرأة المسلمة، وذلك بسبب من الحفاظ على الروح العلمانية للجمهورية، ومنذ صدور التشريعات، أثار الرئيس الفرنسي كطرف مباشر في إشعال معركة حول مكملات الحجاب والمتمثل في البرقع والنقاب اللذين دفع بهما إلى قبة البرلمان لإصدار القانون المناسب للمنع والإبعاد عن الإطار العلماني للمجتمع الذي لا يحبذ رؤية هذه الملابس التي تشم من ورائها رائحة للدين. ولا يمنع ذلك في قابل الأيام انتشار روائح دينية أخرى في سوابق المنع القانوني لكل ما هو ديني في الأصل وإن كان لا يتعارض مع مبدأ الحرية الشخصية الذي بدأ المجتمع الفرنسي خاصة والغربي عموماً يضيق به ذرعاً، بسبب مباشر طبعاً من حوادث الإرهاب والتطرف الأخيرة التي وقعت في أميركا وبريطانيا وفرنسا وغيرها مما فتح أحداق العيون على جزئيات دينية ليست لها علاقة مباشرة بالإرهاب الذي اخترقت أثاره العقول والأفكار قبل الرموز الدينية. مع أن المنع المتواصل لذلك قد يزيد من أعداد الإرهابيين والمتطرفين، كما قد يثير استغراب الذين لا يصدقون بسماع هذه الأنباء من قبل مجتمعات غربية شعارها الحرية في التعبير عن كل ما هو شخصي في الإنسان بعيداً عن مؤثرات الدين أو الفكر المخالف والمضاد لما هو سائد. فالغرب وحده عاجز عن إدارة هذه المعركة إذا ما استخدم القانون لمحاربة ما يعتبره البعض ديناً وإن ذهب بعيداً في الاستشهاد من أجل الحجاب أو النقاب، حتى وإن دعم ذلك بعض المسلمين من المشايخ المعلمنين حسب التعبير المعاصر. إن بعض المسلمين المحسوبين على مسار "الالتزام" الطبيعي أو المتشدد يدير المعركة ذاتها مع جمهورية "ساركوزي" وغيرها من البلدان الأوروبية أو أي بلد آخر في العالم العربي والإسلامي، فالمعركة تدار على أساس كلي وليس على أنها جزئي لا ينبغي أن يجر الإسلام إليها عنوة. ونظراً لعدم وجود مرجعية تحسم هذه التفاصيل اليوم من أمر الإسلام، فإن الغرب مع الشرق لا يجيدان الانتصار لصالح أي طرف. علماً بأن الإسلام هو الضحية الكبرى في هذه المعادلة الجائرة، إننا أمام ظاهرة بحاجة إلى إمعان النظر لأننا في الحالتين، سواء كان النصر لصالح الحجاب أو النقاب، فإن المسلمين هم الخاسرون حتى لو سمح لهم في بعض المجتمعات العلمانية بممارسة ما يعتبرونه ركناً ركيناً من الإسلام "المحارب" في تعاليمه. ونحن لا نرى الأمر بتلك الصورة، خاصة عندما تخرج "الحمية" الإسلامية في المختلف من الأمور وليس المتفق والمجمع عليه في جميع الشرائع السماوية والقوانين الوضعية. ونؤكد بأن شجرة الإسلام لن تقلع لأن الرب سبحانه وعد بحفظه وإن لم نقم بالدفاع عنه في غير موضعه، وإنما ما يحدث اليوم هو أن بعض أعراق تلك الشجرة الطيبة ذات الأصل الثابت بدأ يتساقط بسبب من عند أنفسنا. ندير معركة لغير صالحنا في المجتمعات العلمانية مع علم الذين يعتاشون فيها بأن الحرية المتاحة هناك هي التي منحتهم الإذن الرسمي في إشعالها، وهي في معظم الأحيان تحرقهم بدل أن تضيء لهم شمعة لنيل المزيد من الحقوق في مجتمع يسمح لهم بذلك بحكم الديمقراطية البعيدة عن مؤثرات الدين. فالمنطق لدى هذا البعض الذي تصعد لديه درجات حرارة الدفاع عن الجزئيات على حساب الكليات، مقلوب، لأنه لو قتل إنساناً بغير ذنب في أي مكان لا يحرك الدين لديه شعرة في حين أن قضية النقاب أو الحجاب توقف كل الشعر الذي يغطي جسده.