استفاض الفقهاء والشراح والمفسرون وكُتاب الآداب السلطانية في تناول "السلوك السياسي"، فانطلقوا من أن الحاكم بمثابة الرأس من الجسد، إذا صلح صلح الجسد وإذا فسد فسد الجسد، ولذا فعليه الدور الأكبر في تقويم الناس، لأن الله "يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن". ومن هنا أعطوا الحاكم سلطة التغيير والتبديل وجعلوه فوق الجميع. وعني فقهاء آخرون بتهذيب السلطة، فركزوا على أنه "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق"، وطالبوا الحاكم بأنه يكون قدوة خيّرة نيّرة سليمة لرعيته، وأن يتصرف على أنه من جنس الناس؛ إذا جاعوا جاع، ولا يشبع إلا إذا شبعوا، وأن يكون مترفعاً عن الدنايا، متواضعاً لكل أفراد شعبه، قويّاً إذا عدل، غير مُصرٍّ على ظلم أو بغي، وأن يكون عادلا فلا يصدر عنه ظلم لأحد. واهتم بعض الفقهاء بعدالة الحاكم، ورأوا أنها تشمل الأمانات (الولايات والأموال) وإقامة الأحكام (حدود الله وحقوق الناس). ومن حيث الولايات يجب على الحاكم أن يولي الأصلح من رعيته شؤون الناس، ولا يعدل عنه إلى غيره لأجل ولاء أو صداقة أو مرافقة في بلد أو مذهب أو طريقة أو لضغن في قلبه على الأحق أو غير ذلك من الأسباب، وهذا استناداً إلى حديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من ولي من أمر المسلمين شيئاً، فولى رجلا وهو يجد من هو أصلح للمسلمين منه فقد خان الله ورسوله والمؤمنين". ولذا على الحاكم أن يختار الأمثل فالأمثل، وأن يكون الأصلح في كل ولاية بحسبها، فالقوة لإدارة الحرب والأمانة لإدارة المال، "إن خير من استأجرت القوي الأمين". والعلم والورع للقضاء بين الناس. وبالنسبة للأموال، فسلوك الحاكم فيها هو "العدل"، فليس له أن يقسمها حسب أهوائه، ولكن يعطي كل ذي حق حقه، فإذا أخذ "ولاة الأموال" وغيرهم من مال المسلمين بغير حق، فعلى الحاكم أن يستخرجه منهم. والعدل يعني مراعاة حق الفقير في مال الغني، وفي المال العام كذلك. ويربط فقهاء بين العدل في الأحكام وإقامة الحدود المقررة على من يخطئ من رعيته دون أن يستثني أحداً "لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها"، فإقامة الحد ذاته عدل لأنها تحقق الأمان بين البشر، والعدل كذلك في حقوق الناس. وهناك تراث طويل من الأفكار والممارسات، يركز عليها الفقهاء في حديثهم عن العدل، فها هو أبو بكر الصديق يقول في أول كلمة له بعد تولي أمر المسلمين: "أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيت فلا طاعة لي عليكم". وها هو عمر بن الخطاب يقول: "لو أن دابة عثرت في العراق لسئل عمر لماذا لم تمهد لها الطريق". وها هو علي بن أبي طالب يوبخ والي بيت المال الذي أعار عقداً ثميناً لابنته تلبسه يوم العيد ثم ترده، ويعيب على القاضي الذي كناه ولم يفعل ذلك لخصمه اليهودي حين احتكما إليه. وها هو عمر بن عبدالعزيز يولي رجلا يشد ثيابه ويقول له "اتق الله" حتى يظل مراقباً لله في كل سلوكه، ويصادر كل أموال أقربائه التي جمعوها بغير حق في حكم من كانوا قبله. وفي المقابل يجب أن يقوم على "الرضا" إذا كان الحاكم يتقي الله في حكمه. ويجعل الفقهاء أن الأمر الفيصل في الرضا هو رجوع الحاكم إلى الكتاب والسنة. فإذا كان الحاكم يسير على هداهما وجبت طاعته. لكن التحدي الرئيسي الذي واجه الفقهاء في هذه الناحية هو الإجابة على السؤال الذي يقول: ماذا لو كان الحاكم ظالماً؟ وهنا يتصورون أن الاتفاق في الأصول وفي الغايات والمقاصد بين الحاكم والمحكوم إذا كان وارداً فإن الاتفاق في الفروع والمناهج والسبل يكاد يكون مستحيلا، فهناك اختلاف في وجهة نظر الأفراد على القضايا التي تشغل حياتهم، ولذا يجب أن تكون هناك حرية تامة لأن يعتنق الإنسان السبيل الذي يراه شريطة أن يكون شرعيّاً. ويحتشد الفكر السياسي الإسلامي بمثل هذه الآراء المتعارضة. فالمعتزلة يرون أنه "لا يحل لمسلم أن يخلي أئمة الضلالة وولاة الجور إذا وجد أعواناً وغلب على ظنه أنه يتمكن من منعهم من الجور". أما الأشاعرة فيرون أن "الإمام إنما ينصب لإقامة الأحكام وهو في جميع ما يتولاه وكيل للأمة ونائب عنها وهي من ورائه في تسديده وتقويمه، وإذكاره وتنبيهه وأخذ الحق منه إذا وجب عليه، وخلعه والاستبدال به متى اقترف ما يوجب خلعه". وتعرضت الممارسات التي تنتصر للمعارضة إلى التشكيك فيها، استناداً إلى أحاديث منسوبة إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، منها: "اسمعوا وأطيعوا، وإن استعمل عليكم عبد حبشي، كأن رأسه زبيبة" و"عليك السمع والطاعة في عسرك ويسرك، ومنشطك ومكرهك وأثرة عليك"، و"اسمعوا وأطيعوا، فإنهم عليهم ما حملوا، وعليكم ما حملتم" و"من أهان السلطان أهانه الله" و"من كره من أميره شيئاً فليصبر عليه، فإنه من خرج من السلطان شبراً مات ميتة جاهلية". لكن هناك من يربط بين ظهور هذه الأحاديث وبين سعي بعض الفقهاء لتعزيز شرعية بني أمية وبني العباس، وكذلك الخوف من منازعة ظلم وجور حاكم المسلمين في وقت تتعرض فيه دولة الإسلام لخطر خارجي يريد النيل من قوتها وانتهاك حرمتها. وهناك من حاول أن يفسر هذا الاختلاف والخلاف من زاوية موجبات وجود سلطة، فها هو ابن تيمية يقول: "يجب أن يعرف أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين بل لا قيام للدين إلا بها، فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع لحاجة بعضهم إلى بعض، ولابد لهم عند الاجتماع من الحاجة إلى رأس". ويرى أصحاب هذا الاتجاه أن الصبر على الحاكم هو الصبر الذي ينطوي على شجاعة واحتمال ومواجهة ونضال للانتصار للحق، ومغالبة الظالمين.