يتعرض إنسان العصر الحديث لمخاطر ومشاكل صحية مختلفة إلى حد كبير عن المخاطر والمشاكل التي كان يتعرض لها أسلافه، حيث شهدت العقود الأخيرة اختراقات علمية على صعيد الوقاية من وعلاج العديد من الأمراض التي تنتج من جراء العدوى بالفيروسات، والبكتيريا، والطفيليات، من خلال التطعيمات والمضادات الحيوية. وهذه التطورات الطبية نجحت في خفض الإصابات والوفيات الناتجة عن الأمراض المعدية بشكل كبير مقارنة بالعصور السابقة، وإن كانت لم تنجح بعد في القضاء عليها تماماً، كما هو واضح من الأعداد الهائلة من البشر الذين لا زالوا يلقون حتفهم بسبب السل، والملاريا، والإيدز، وغيرها من الأمراض التي تتسبب فيها الجراثيم. ولكن في الوقت نفسه الذي تراجعت فيه -نسبيّاً- إصابات ووفيات الأمراض المعدية، زادت بشكل هائل الإصابات والوفيات الناتجة عن حزمة أخرى من الأمراض، تعرف بطائفة الأمراض غير المعدية، التي أصبح يطلق عليها أحياناً اسم أمراض الثراء أو الأغنياء (Diseases of Affluence)، وإن كانت هذه التسمية غير دقيقة حيث أصبحت هذه الأمراض تنتشر أيضاً على نطاق واسع بين شعوب الدول النامية والفقيرة. وتضم هذه الطائفة على سبيل المثال لا الحصر: داء السكري، والسمنة، وأمراض القلب، والسرطان، وارتفاع ضغط الدم، وأمراض المناعة الذاتية، والربو الشعبي، وإدمان الكحوليات، والاكتئاب، وطيفاً واسعاً من الأمراض النفسية. وتتشابك العلاقة بين بعض تلك الأمراض، بحيث يصبح بعضها سبباً أو نتيجة لبعض آخر، مثل السمنة التي تنتج جراء الإصابة ببعض الأمراض، وتتسبب هي نفسها في مجموعة أخرى. وتتميز جميع أمراض الثراء بميزة أساسية، هي كونها أمراضاً غير معدية، لا تنتقل من شخص إلى آخر، وإن كانت غالباً ما تصيب شريحة كبيرة من أفراد المجتمع. ويرد الأطباء هذا الانتشار إلى ثلاثة أسباب رئيسية؛ هي: 1- التلوث بجميع أشكاله، الهواء، والماء، والتربة، والطعام... إلخ. 2- تغير نمط الحياة الاجتماعية والمهنية، المترافق بتغير التطلعات المادية والاستهلاكية، وهي كلها عوامل تؤدي إلى زيادة مستوى التوتر المزمن في الحياة اليومية. 3- تدهور وانخفاض نوعية الغذاء الإنساني، المترافق بزيادة وتضخم كمياته، خصوصاً النوعيات المحتوية على سعرات حرارية مرتفعة. 3- التمدين، المتمثل في هجر حياة الريف والانتقال لحياة المدن. 4- الكسل البدني. والأسباب الثلاثة الأخيرة، أو التدهور الغذائي، والتمدين، والكسل البدني، أدت جميعها للوباء الحالي من السمنة. حيث تشير التقديرات إلى أن عدد المصابين بزيادة الوزن حاليّاً، يزيد عن 1.6 مليار شخص، منهم 400 مليون مصابون بالسمنة المفرطة، مع التوقع أن ترتفع هذه الأرقام في غضون أعوام قليلة إلى 2.3 مليار مصابين بزيادة الوزن، منهم 700 مليون مصابون بالسمنة المفرطة. وعلى صعيد التمدين، تظهر الدراسات والإحصائيات أن نصف أفراد الجنس البشري يعيشون حاليّاً في مدن ومناطق حضرية كبرى، مع تواتر التوقعات بأن الزيادة المتوقعة في عدد أفراد الجنس البشري خلال العقود الثلاثة القادمة، سيكون معظمها بين سكان المدن. وهو ما يعني أنه بحلول نصف القرن الحادي والعشرين ستكون الغالبية من البشر قد هجرت المناطق الريفية، والنائية، وأصبحت في عداد المتمدينين. ومثل هذا التحول الديموغرافي، الذي بدأ بالفعل قبل زمن ليس بالقصير، يحمل في طياته تحديات ومخاطر صحية كثيرة، بسبب انتشار عوامل الخطر المؤهلة للإصابة بالأمراض غير المعدية داخل المدن، مثل العادات الغذائية السيئة، وزيادة معدلات استهلاك التبغ والكحوليات، ومحدودية النشاط البدني والرياضي. وعلى رغم أن قلة النشاط الحركي، وندرة ممارسة الرياضة، أو الكسل البدني إجمالا، دائماً ما يذكر كأحد الأسباب الرئيسية خلف السمنة، وغيرها من طائفة الأمراض المعدية، إلا أن الكسل البدني لا زال لا ينال الاهتمام الكافي في الوعي العام، على رغم أنه يساوي -أو ربما يزيد- في أهميته العادات الغذائية السيئة، وبالتحديد تناول الأطعمة مرتفعة السعرات الحرارية. ويرى البعض أن السمنة ربما تكون بسبب قلة الحركة، أكثر من كونها بسبب زيادة كميات الطعام. وهذا الرأي يشكل الخلفية التي اعتبرت من خلالها منظمة الصحة العالمية أن الكسل البدني مشكلة صحية عالمية، خصوصاً في ظل الدراسات التي تظهر أن 60 في المئة من أفراد الجنس البشري لا يمارسون الحد الأدنى من النشاط البدني، الكفيل بوقايتهم من الأمراض، وتحسين صحتهم بوجه عام. ويعود هذا الوضع إلى تراجع النشاط البدني أثناء العمل، حيث أصبحت غالبية الوظائف مكتبية، أو يدوية لا تتطلب مجهوداً يذكر، بالإضافة إلى أن أوقات التسلية والترفيه أصبحت هي الأخرى تقضى من خلال أنشطة لا تتطلب مجهوداً بدنيّاً، مثل مشاهدة التلفزيون أو لعب الورق. وحتى إذا ما دققنا في الأنشطة المنزلية المنوط إنجازها بربة البيت مثلاً، فسنجد أنها هي الأخرى أصبحت تعتمد على أجهزة ومعدات وتكنولوجيا، تسعى جميعها لرفع أي عناء أو مجهود بدني من الأعمال المنزلية، بما في ذلك حتى غسل الصحون. وفي ظل بحث إنسان العصر الحديث عن الرفاهية، التي تريحه من أي عمل أو نشاط بدني، مثل صعود الدرج، أو الانتقال من مكان إلى آخر، أو حتى تغيير قنوات التلفزيون من خلال "الريموت"، لا يتوقع أن يتراجع الكسل البدني الإنساني عما قريب، وهو ما يعني أن العالم سيصطدم خلال العقود القادمة بجبل من الجليد من الأمراض غير المعدية، لم نرَ حتى الآن منه غير قمته. د. أكمل عبدالحكيم