حتى وقت قريب كانت المؤسسات المالية والمصارف العالمية الكبرى فوق أية شبهات، بل إنها شكلت مثالا ساطعاً للنجاح وتحقيق الأرباح الخيالية التي كانت محل إعجاب من قبل مصارف البلدان النامية. ومن ضمن محاسن الأزمة المالية العالمية أنها كشفت المستور لتبرز بعض الحقائق المؤلمة لهذه المؤسسات والمصارف، وبالأخص بعد نشر الرسائل المتبادلة لكبار موظفي بنك "غولدمان ساكس" التي أوضحت مدى التلاعب والخداع الذي راحت ضحيته أعداد كبيرة من المستثمرين من مؤسسات وأفراد، بما في ذلك تلك العاملة في البلدان العربية. إلا أن تلك الشكوك والممارسات غير الملائمة لم تقف عند بنك "غولدمان ساكس" بل طالت أيضاً معظم المصارف العالمية المعروفة، والتي تتحكم في النظام المالي العالمي، مثل "مورغان ستانلي" و"ميريل لينش" و"سيتي غروب" الأميركية، و"يو بي إس" السويسري و"دوتشه بنك" الألماني و"كريدي آغريكول" الفرنسي. وتضمنت عمليات التلاعب بيع سندات جانبية للرهونات العقارية تتسم بمخاطر كبيرة وتقديم معلومات مضللة للعملاء ولوكالات التصنيف الدولية والحصول على مكافآت وعمولات هائلة وغير مبررة. وعلى رغم التحقيقات التي تجريها السلطات الأميركية والأوروبية للوقوف على حجم هذه التجاوزات، والتي كانت أحد الأسباب الرئيسية لحدوث الأزمة المالية في العالم، إلا أن رأس المال المالي يستغل نفوذه القوي في المؤسسات الرسمية للبلدان الصناعية للحيلولة دون المضي قدماً في هذه التحقيقات التي تقودها إدارة أوباما. وتثير هذه التحقيقات تساؤلات كثيرة حول صدقية المصارف الكبرى في العالم، إذ من الواضح أن هناك عملية تلاعب كبرى سبقت ورافقت الأزمة المالية، وهو ما أشرنا إليه عند انهيار بنك" ليمان برذرز" في سبتمبر من عام 2008، الذي كانت عملية إنقاذه تتطلب 50 مليار دولار فقط، وهو مبلغ متواضع إذا ما قورن بمبلغ 750 مليار دولار التي خصصتها الولايات المتحدة لاحقاً لإنقاذ العديد من المؤسسات الاقتصادية والمالية الكبرى، أو بمبلغ ألف مليار دولار التي خصصت مؤخراً لإنقاذ الاقتصاد اليوناني من الانهيار. وربما تسفر هذه التحقيقات التي تجريها السلطات الأميركية والأوروبية عن نتائج مهمة، أو ربما تتم لفلفة القضية وطي هذا الملف بصورة نهائية وتطير الطيور بأرزاقها كما يقال، وفي كلتا الحالتين، فإن هذا الأمر يخص الولايات المتحدة وبلدان الاتحاد الأوروبي بصورة أساسية، التي ستستفيد بصورة مباشرة من سير أعمال التحقيقات الجارية. والحال أن ما يهمنا في هذا المقام هو تلك الآفاق المتعلقة بصدقية النظام المالي العالمي، وبوضع أنظمة وآليات جديدة تضع حداً لعمليات الخداع والتضليل التي تمارسها مؤسسات عالمية مرموقة وتستحوذ من خلالها على مئات المليارات من الدولارات، التي تؤدي إلى أزمات عالمية وانهيارات لاقتصادات بلدان عديدة وإفلاس لمؤسسات مالية ومصارف، وما ينجم عنها من بطالة وانضمام ملايين لفئات العاطلين عن العمل. وبما أن المؤسسات المالية في البلدان النامية لا تستوعب الفوائض النقدية المتزايدة للبلدان النفطية، فإن مثل هذه المؤسسات العالمية تعتبر الحاضنة لهذه الاستثمارات والفوائض، وهذه مسألة أخرى بحاجة إلى معالجة من خلال مساهمة البلدان النامية الغنية في وضع أسس وضوابط جديدة لعمل النظام المالي العالمي من خلال عملية إصلاح شاملة. وفي الوقت نفسه يمكن للبلدان النامية الغنية تطوير مؤسساتها المالية لتستوعب جزءاً من استثماراتها وفوائضها النقدية، بما في ذلك النظر في عمليات الدمج لتأسيس مصارف كبيرة قادرة على امتصاص هذه الفوائض وتنسيق السياسات المالية والنقدية وتكاملها ومراقبتها من قبل المصارف المركزية في هذه البلدان. وذلك من منطلق أن عمليات الخداع والتلاعب لن تكون الأخيرة، كما أن الأزمة المالية العالمية يمكن أن تتكرر حتى وإن اختلفت الأسباب والمسببات.