الإحصاءات الرسميّة ونتائج بعض الدراسات التي نشرتها الصحف المحلية مؤخراً عن بعض الأمراض المزمنة في الدولة، تشير في مجملها إلى طبيعة المخاطر التي قد تهدّد الوضع الصحي العام إذا لم يتم التعاطي معها، بالشكل الذي يحول دون انتشارها أو الحدّ من تأثيراتها السلبيّة. فحسب هذه الإحصاءات، فإن نسبة الإصابة بمرض ضغط الدم بين مواطني الدولة وصلت إلى 38 في المئة، وتزداد هذه النسبة بصورة ملحوظة. وتشير كذلك إلى أن نحو 12.1 في المئة من أطفال المدارس في الدولة يعانون زيادة الوزن، وأن 21.5 في المئة من الطلاب مهدّدون بالسمنة. أما الدّراسات، فتوضّح أن من الأسباب التي تقف وراء انتشار هذه الأمراض في الأساس الممارسات السلوكية السلبية، كعدم ممارسة الأنشطة الرياضيّة والبدنيّة، وعدم اتباع السلوكيات الصحيّة السليمة كالفحص الطبي، أو الكشف الدوري عن الأمراض بشكل منتظم. هذه المؤشرات الصحيّة المقلقة تثير ملاحظات مهمّة عدّة، أولاها، أن انتشار هذه النوعيّة من الأمراض بهذه النسب الكبيرة لا يتماشى على الإطلاق والجهود التي تبذلها الدولة لتوفير الرعاية الصحيّة الكاملة لأفراد المجتمع. وثانيتها، أن الأطفال والنشء هم الأكثر تعرّضاً للإصابة بهذه النوعيّة من الأمراض، ما يؤشر إلى الارتفاع المتواصل في أعداد المصابين بها، وهذا بدوره يدقّ ناقوس الخطر على صحة جيل الشباب في الدولة. وثالثتها، أن الآثار المترتبة على انتشار هذه الأمراض لا تتوقّف عند الوضع الصحيّ العام فحسب، بل تتعدّاه إلى عملية الإنتاج، لأن الدراسات أثبتت أن الإصابة بهذه الأمراض تؤثّر في العمل والإنتاج، ومن ثمّ في خطط التنمية ومشروعاتها بوجه عام. ورابعتها، أن البرامج العلاجية لهذه الأمراض تستنزف جانباً كبيراً من المخصّصات المالية في موازنة الدولة، كان يمكن توجيهها إلى مجالات تنموية أخرى. ورغم أن الحكومة لا تألو جهداً في مواجهة هذه الأمراض المزمنة، إذ إن هناك بالفعل خططاً واستراتيجيات وقائية وعلاجية عدّة شقّت طريقها إلى النور وترجمت عملياً على أرض الواقع، سواء في حملات التوعية ضد انتشار السكري والسمنة وضغط الدم وغير ذلك، أو لجهة الاهتمام بالرياضة في المدارس، فإنه لا أحد يلمس نتائج ملحوظة لهذه الجهود، ما يطرح بالتبعيّة التساؤل عن أسباب محدوديّة الفاعلية والجدوى منها؟ قد يكون السبب وراء ذلك أن كثيراً من هذه الجهود تأخذ شكل الطابع الموسميّ، أو لغياب التنسيق اللازم بين الجهات المعنيّة، لكن العامل المهم يتمثل في استمرار تبنّي كثير من أفراد المجتمع ممارسات وسلوكيات غير صحية وغير غذائية برغم حملات التوعية التي تحذّر من مخاطرها. ورغم أن هناك خطوات مهمّة تم إعلانها مؤخراً، ويمكن أن تسهم في الوقاية من هذه الأمراض، كقرار هيئة الصحة في أبوظبي الخاص بتشكيل مجلس علمي للأبحاث، مسؤوليّته إعداد الأبحاث المتخصّصة في هذه الأمراض، وقرار مجلس أبوظبي للتعليم تخصيص ما يزيد على 10 ملايين درهم لتنفيذ برامج جديدة في مجال الصحة المدرسيّة، فإن المواجهة الفاعلة لهذه الأمراض تتطلّب تبني استراتيجيّة شاملة، لا تركز على الجوانب العلاجية فقط، وإنما تتضمّن كذلك التوعية بطبيعة العناصر الكامنة في أساليب الحياة، بالشكل الذي يؤدّي إلى تجنّب السلوكيات الخطرة وغير الصحية، واكتساب السلوكيات الإيجابية، البدنية والصحية التي لا تنفصل عن هذه النوعيّة من الأمراض. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عن نشرة "أخبار الساعة" الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.