"كاكه، وكلُنبه، وكليب الماء"، مثلٌ عراقي ساخر عن ثلاثة صعاليك أشبه بالشركات المسؤولة عن كارثة انفجار المنصة النفطية في خليج المكسيك. الرئيس الأميركي طلب من الشركات الثلاث التوقف عن "التمثيلية السخيفة"، والكفّ عن تبادل الاتهامات حول الكارثة التي وقعت في العشرين من الشهر الماضي، وأودت بحياة 11 عاملا وفنياً. ودعا أوباما إلى وضع حد للعلاقة "الحميمة" بين صناعة النفط والإدارات المتعاقبة، بما فيها مسؤولون في إدارته متورطون بـ"انتهاكات فاضحة، وتعاطي كوكايين، وعلاقات جنسية مع ممثلي صناعة النفط"، حسب تقرير المفتش العام في وزارة الداخلية الأميركية! وتثير الدهشةَ الهشاشةُ الأخلاقيةُ لمدراء شركات صناعات النفط العملاقة، وتهافت مواقفهم خلال استجوابهم من قبل الكونغرس. يتبادلون الاتهامات، ويتنصلون من مسؤولية الكارثة، كسواق تاكسي بعد حادث اصطدام. مالكة البئر شركة "النفط البريطانية" (بي بي) التي تحتل المرتبة الرابعة في قائمة أكبر 500 شركة في العالم، وفي العام الماضي بلغ ريع عملياتها 239 مليار دولار، وأرباحها 14 مليار دولار. رئيسها التنفيذي ألقى بمسؤولية الكارثة على شركة "ترانزأوشين" مالكة المنصة النفطية المنهارة. وأعلن مدير "ترانزأوشين" التي تملك 140 منصة في مختلف البحار، أن المشكلة بدأت بعد إكمال بناء البئر، متهماً الشركة التي بنت البئر، وهي "هاليبرتن"، عملاق الإنشاءات النفطية الأميركية، والتي تولت مقاولة غزو العراق عام 2003. وأعاد مدير "هاليبرتن" الكُرة إلى مرمى الشركة البريطانية، معلناً أنها المسؤولة عن إدارة عمليات البئر، ومهندسوها هم الذين وضعوا خطط التنفيذ. وموضوع النفط، كما يعرف منتجوه العرب، أعمق من أعمق آباره. وقد تعزز استجوابات الكونغرس مواقع اليمين الجمهوري المتحالف استراتيجياً مع شركات النفط، أو تعمل لصالح أوباما الذي أعلن في خطابه عقب الانفجار أن "الحكومة هي التي تضمن التزام المناجم بقواعد السلامة، وبقع النفط المتسربة تنظفها الشركات التي سببتها". تأكيد أوباما شبه الديني على المسؤولية المشتركة تُبقيه عائماً، طالما هو غير خاضع لضغوط انتخابات قريبة، ومحافظاً على توازنه ما بين ناخبين صوتوا له بالأكثرية، لأنه وعدهم بحماية البيئة، وشركات نفط نالت حتى بعد الانفجار رخصاً جديدة للتنقيب في خليج المكسيك، ومستعدة في كل وقت لتحويل دعمها المالي إلى الجمهوريين! ويهدد التسرب النفطي في خليج المكسيك بالقضاء على واحدة من أكبر المستوطنات البحرية الأميركية للأعشاب الغذائية، وموقع إنتاج نصف كميات أسماك الروبيان والقريدس البرية، وما لا يُعرف عدده من كائنات مهددة بخطر الانقراض، كالسلاحف البحرية، والحيتان الزرقاء، والحيتان المزعنفة، والحيتان التي يُستخرج منها زيت العنبر. وتبين ردود الأفعال الدفاعية لمسؤولي شركات النفط ما انتهت إليه الصناعات الغربية التي تديرها عقليات تعمل بموجب حركة أسعار أسواق الأسهم المالية، وليس حركة صناعة تحرك العالم. ولم توضح الشركات لحد الآن لماذا لم تعمل "مانعات الانفجار" في أنابيب التنقيب، وما سبب عطل نظام الكبح الأتوماتيكي في المنصة، وكيف لا تملك أكبر الشركات الصناعية وسائل جاهزة لمواجهة الطوارئ؟ اضطر إلى الاعتراف بذلك مسؤولو الشركات الثلاث، تحت ضغط استجواب الكونغرس. وأقروا بإخفاق مختلف التقنيات التي استخدموها، ومنها القبة الفولاذية الشبيهة بالقمع، والتي يقولون إنها احتوت آبار النفط الكويتية في حرب عام 1992، ولا يزال العراقيون يدفعون كلفتها من دون توثيق أو حساب. وكيف تعمل قبة مصنوعة للصحراء في البحر على عمق ألف وخمسمائة متر، حيث الغواصات تتحطم إذا غاصت أكثر من خمسمائة متر، حسب المتحدث الرسمي عن شركة "النفط البريطانية"؟ ولا يستطيع المراقب الحريص على عدم التأثر بالعواطف المشبوبة لعلماء ونشطاء البيئة إنكار أن أحكامهم أكثر صدقية ودقة من مدراء الصناعة. وفي عالم ترمقه عيون الإنترنت على مدار الساعة، تعرض مدونات علماء ونشطاء البيئة وثائق وحسابات استندت الى رصد الكرة الأرضية فضائياً، وقدّرت بشكل صحيح أن التسرب النفطي أكبر عدة مرات من الألف برميل يومياً، التي ادّعتها الشركات، وقد يكون أضعاف خمسة آلاف برميل يومياً التي قدرتها "الإدارة الوطنية للأرصاد الجوية والمحيطات" الأميركية. ولم تكتم حتى افتتاحيات صحف بريطانية رصينة سخريتها من مدير شركة "النفط البريطانية" الذي أكد: "أضمن لكم إصلاح العطب، والسؤال الوحيد هو أننا لا نعرف متى"! ولطمأنة الرأي العام استشهد بكارثة تحطيم المركبة الفضائية "أبولو 13" عام 1970، مشيراً إلى أنها لم توقف السباق الفضائي! اسم المنصة التي انفجرت Deepwater Horizon وترجمته بالعربية "آفاق مياه الأعماق". ويصور الاسم في آن عمل المنصة، ومصيرها، وعُمق الحاجة العالمية للنفط. فالمنصة التي غاصت إلى قاع خليج المكسيك كانت تنقب بئراً على عمق 1500 متر عن سطح البحر. وهذا العمق من حاجة الولايات المتحدة والدول الصناعية للنفط يحمل على الاقتناع بـ"نظرية الذروة" التي وضعها عالم الجيولوجيا الأميركي ماريون هوبرت. ترسم "نظرية الذروة" حركة الإنتاج النفطي العالمي كمنحنى الجرس؛ بلغت ذروتها في أميركا عام 1970، وفي العالم عام 2005 ويبدأ قريباً التدهور في احتياطياته التي قد ينضب ربعها خلال 25 عاماً القادمة، ونصفها خلال نصف قرن، وكلها خلال قرن. ويعزز عدد قتلى حوادث المنصات "نظرية الذروة". ففي خليج المكسيك وحده بلغ عدد القتلى 69 منذ عام 2001. والحادث الحالي واحد من عدة كوارث تسرب نفطي كبرى في الولايات المتحدة، أشهرها تسرب 100 ألف برميل من المنصة النفطية قرب ساحل "سانتا باربرا" عام 1969، وتسرب ربع مليون برميل من ناقلة النفط "إكسون فالديز" عام 1989 في ألاسكا. ولم توقف هذه الكوارث أعمال التنقيب البحرية التي تسد حالياً أكثر من ربع استهلاك النفط في الولايات المتحدة، ومعظمها من آبار عارية ينتج بعضها أقل من 15 برميل يومياً، وأراهن على استخراج أضعاف ذلك إذا حفرت على عمق مائة متر في بئرنا المنزلي المهجور في محلة الفضل ببغداد! وبعد شهر من الانفجار تتحدث التقارير عن غمامة نفطية سوداء هائلة تتحرك على عمق كيلومتر عن سطح خليج المكسيك، طولها نحو عشرين كيلومتراً، وعرضها ستة كيلومترات وثخانتها مائة متر. وأكثر ما يدهش في شهادات مسؤولي شركات النفط فخرهم بتجارب وتقنيات يجرونها على الغمامة. شبيه بذلك فخر المسؤولين عن احتلال العراق بانتصاراتهم اليومية. بعد سبع سنوات من الحرب لأجل النفط، ما عمق غمامة الاحتلال، ما طولها، عرضها، ثخانتها، وكم بلغ عدد قتلاها، وأيتامها، وأراملها هذا اليوم، هذا الشهر، هذه السنة؟