شيء من القلق يعتري إسرائيل هذه الأيام بشأن مستقبل سياسة "الغموض النووي" التي تتبعها منذ أن أقامت مفاعل ديمونة في النصف الثاني من خمسينيات القرن الماضي. فالسند الرئيسي لإسرائيل في سياستها هذه هو التزام أميركي بعدم الضغط عليها لكشف برامجها إذا لم تختبر أسلحة نووية، أو تؤكد علنا امتلاكها مثل هذه الأسلحة. ومن الطبيعي أن تخشى إسرائيل إمكان حدوث تغير في هذا الالتزام، الذي حصلت عليه عام 1969 عقب إصدار معاهدة حظر الانتشار، عندما يطرأ خلاف في علاقاتها مع الولايات المتحدة. غير أن الخلاف الراهن، الذي لم يُسدل إطلاق المفاوضات غير المباشرة الستار عليه، قد لايكون هو العامل الرئيسي وراء قلق إسرائيل الذي يمكن استنتاجه من النقاش الذي دار أخيراً في بعض وسائل الإعلام فيها حول مستقبل سياسة "الغموض النووي" ، ومن أجواء زيارة وزير الدفاع ايهود باراك إلى واشنطن قبل أيام. فالأرجح أن هذا القلق يعود، في الأساس، إلى الفشل الذي منيت به إسرائيل في بداية مؤتمر مراجعة معاهدة حظر الانتشار النووي الذي انطلق في نيويورك في 3 مايو الجاري، ويستمر حتى يوم 28 من الشهر نفسه. فقد خاب سعيها إلى تقنين الاستثناء الذي تتمتع به. أرادت ألاَّ يظل مجرد أمر واقع لا سند له إلا استمرار المساندة الأميركية الكاملة. ولذلك سعت لأن تخرج من هذا المؤتمر بربط واضح مقبول دولياً بين إثارة قضية قدراتها النووية وتحقيق السلام الشامل في منطقة الشرق الأوسط، وبالتالي تجميد القرار الصادر عن مؤتمر سابق للمراجعة عُقد عام 1995 بإعلان هذه المنطقة خالية من السلاح النووي، ولكنها لم تنجح في ذلك. ولعل من موجبات قلق إسرائيل الآن أيضاً أن قرار مؤتمر 1995 كان مكسباً لها، ولكن في حينه، لأنه جاء بديلاً عن إلزامها بالانضمام إلى معاهدة حظر الانتشار النووي. فقد ضغطت الولايات المتحدة ودول أوروبية على دول عربية وإسلامية في مؤتمر المراجعة عام 1995 لكى تتراجع عن الشرط الذي وضعته لقبول التمديد الأبدي لمعاهدة حظر الانتشار، وهو التزام إسرائيل بتوقيعها. فكان قرار إعلان الشرق الأوسط منطقة خالية من السلاح النووي بديلاً عن إلزام إسرائيل بالانضمام إلى هذه المعاهدة. وأتاح ذلك استمرار الاستثناء النووي الإسرائيلي فعلياً إلى أجل غير مسمى، ولكنه لم يحل دون مطالبة معارضي هذا الاستثناء بإلغائه في كل مناسبة اتيحت فيها فرصة لإثارة الموضوع. وأدى ازدياد القلق الدولي من برنامج إيران النووي في الفترة الأخيرة إلى فتح باب جديد لإثارة موضوع الاستثناء الإسرائيلي، في ظل ميل عدد غير قليل من الدول إلى قبول فرضية أن هذا الاستثناء هو أحد العوامل التي تشجع طهران على تحدي المجتمع الدولي. وعندما اقترب موعد المؤتمر الدوري الجديد لمراجعة معاهدة حظر الانتشار، تحركت مصر بالتنسيق مع دول عدة لإقامة تكتل "دول الأجندة الجديدة" من أجل تفعيل قرار إخلاء الشرق الأوسط من السلاح النووي وإلزام إسرائيل بالانضمام إلى هذه المعاهدة ومطالبة الدول الموقعة عليها بالتعهد بعدم السماح بنقل أي معدات أو معارف مرتبطة بالطاقة النووية إليها. ولذلك سعت إسرائيل إلى استباق ضغوط قد تتعرض لها في الفترة القادمة عبر محاولة ربط طرح قضيتها النووية للبحث بتحقيق السلام الشامل، ونجحت في إقناع روسيا بقيادة التحرك في هذا الاتجاه. ولذلك كانت موسكو هي التي قدمت عشية المؤتمر الجاري ما أُطلق عليه "ورقة مقترحات روسية- أميركية" اشترطت التوصل إلى سلام شامل قبل تنفيذ قرار مؤتمر 1995، وأضافت التزام الدول العربية باتفاقات إزالة أسلحة الدمار كلها وتعهدها بعدم السعي إلى تخصيب اليورانيوم. وربما كانت فجاجة هذه المقترحات، بسبب انحيازها السافر، أحد عوامل نجاح التحرك المضاد لها، إلى جانب عاملين آخرين هما حاجة المجتمع الدولي إلى مساندة الدول العربية والإسلامية للجهود المبذولة من أجل منع عسكرة البرنامج النووي الإيراني، ورغبة إدارة أوباما في اتخاذ موقف أكثر توازناً- ولو من حيث الشكل- بين العرب وإسرائيل. وهناك ما يفيد أن بعض أركان هذه الإدارة يرون أن واشنطن لا تستطيع الاستمرار إلى الأبد في تقديم غطاء للاستثناء النووي الإسرائيلي. ويمكن إضافة عامل رابع يتعلق بحرص الدول النووية على نجاح مؤتمر نيويورك الجارية أعماله الآن، وخشيتها أن يؤدي فشله إلى تدعيم مركز إيران، وربما خروج قضية الانتشار النووي من تحت السيطرة النسبية. ولذلك سارعت الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن إلى طمأنه الدول العربية والإسلامية، ودول أخرى في مجموعة عدم الانحياز، عبر التعهد بالتنفيذ الكامل لقرار إخلاء الشرق الأوسط من السلاح النووي. وأصدرت بيانا بهذا المعنى في اجتماع عقدته على هامش المؤتمر، في يومه الثالث، أكدت فيه التزامها الكامل بالقرار. وبالرغم من أن هذه هزيمة لمحاولة إسرائيل تكريس استثنائها النووي، فهي لا تعد نصراً لمناهضي هذا الاستثناء بسبب عدم الاستجابة لمطلبهم الخاص بإيجاد آلية تفاوضية وإطار زمني لتنفيذ قرار عام 1995 حتى لا يبقى سابحاً في الهواء. ومع ذلك، يتيح بيان الدول الخمس الكبرى مناخاً مواتيا لاستمرار التحرك المناهض للاستثناء النووي الإسرائيلي، الذي حقق نجاحاً جزئياً جديداً خارج نطاق مؤتمر المراجعة، وبالتزامن مع بدايته، عندما طلب المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية من الدول الأعضاء في الوكالة (151 دولة) تزويده بأفكار تساعد على إقناع إسرائيل بالتصديق على المعاهدة. وجاء ذلك في رسالة وجهها في 6 مايو الجاري إلى وزراء خارجية هذه الدول طالبا إطلاعه على وجهات نظر حكوماتهم في هذا الشأن. ويأتي هذا الإجراء غير المسبوق بعد نجاح جزئي آخر حققه مناهضو الاستثناء النووي الإسرائيلي في المؤتمر السنوي للوكالة في سبتمبر 2009 عندما نجحوا في توفير أغلبية لقرار بعنوان "القدرات النووية الإسرائيلية" طالب تل أبيب بالانضمام إلى معاهدة حظر الانتشار النووي. وبالرغم من أن هذا القرار غير ملزم، فإنه أنهى تقليداً نجح أنصار إسرائيل في استمراره لمدة 18 عاماً، وهو إجراء نقاش حول برنامجها النووي، ولكن من دون تصويت. وهذا كله يقلق إسرائيل التي نجحت لفترة طويلة في ترويج مبرر زائف للاستثناء النووي الذي تتمتع به، وهو أن شعورها بالأمن الكامل شرط ضروري لتشجيعها على تقديم التنازلات اللازمة لتحقيق السلام. وهذا هو المبرر الذي اُستخدم ذريعة أيضاً لضمان استمرار تفوق إسرائيل على صعيد التسلح التقليدي، دون أن تتخذ خطوة واحدة على صعيد عملية السلام سواء مع الفلسطينيين أو مع سوريا. غير أن إنهاء هذا الاستثناء يظل مرتبطا باقتناع المجتمع الدولي بعدم منطقية استمراره إلى أن يتحقق سلام ثبت أن إسرائيل هي المسؤول الأول عن إعاقة كل طريق يمكن أن تؤدي إليه.