بيونج يانج تتخلى عن الحذر... وأوجه شبه بين جورباتشوف ومدفيديف بماذا يمكن تفسير سياسة التصعيد الكورية الشمالية؟ وما هي أوجه الشبه بين جورباتشوف ومدفيديف؟ وماذا عن أصداء أزمة الديون اليونانية...تساؤلات نضع إجاباتها تحت الضوء، ضمن إطلالة سريعة على الصحافة الدولية. ما وراء التصعيد في مقاله المنشور بـ"كوريا هيرالد" الأحد الماضي، وتحت عنوان "كوريا الشمالية المُقامرة تفقد الحذر"، أشار "يون يونج كوان"، وهو وزير خارجية كوريا الجنوبية السابق، إلى أن زيارة "كيم جونج إيل" الأخيرة إلى الصين عقّدت من رد فعل الكوري على ضلوع بيونج يانج في حادث غرق السفينة الكورية الجنوبية في 26 مارس الماضي. وحسب "كوان" لابد من النظر إلى الحادث كانعكاس لتغيير في السلوك العام لكوريا الشمالية، التي أصبحت أكثر جرأة منذ مرض "كيم" وإصابته بسكتة دماغية في أغسطس 2008. في الماضي كان قادة كوريا الشمالية يحسبون كل شيء ليرصدوا المنافع والخسائر المترتبة على أي ضغوط يمارسونها على العالم الخارجي، وكانوا يميلون إلى اللعب بورقة التهديد في التوقيت المناسب. لكن في أبريل ومايو2009 تخلت بيونج يانج عن حذرها الدبلوماسي، وأطلقت صاروخاً طويل المدى، ومجموعة أخرى من الصواريخ، وأجرت اختباراً نووياً، كل ذلك خلال أسابيع قليلة. لكن بعدما تحرك المجتمع الدولي، وأصدر مجلس الأمن القرار رقم 1847، سرعان ما عدّلت بيونج يانج سياستها وأطلقت سراح صحفيين أميركيين وعامل كوري جنوبي كانت قد ألقت القبض عليهم في أغسطس 2009 بتهمة انتهاك القانون الكوري الشمالي. لكن بعدما أدركت كوريا لشمالية أن دبلوماسية الابتسامة لا تحقق لها ما تصبو إليه، عادت مرة أخرى إلى العدوانية، من خلال تجميد العمل في مشروع عقاري كوري جنوبي في منطقة "جبل جيومانج السياحية"، وهجمت على السفينة الكورية الجنوبية، كما أرسلت بيونج يانج جاسوسين إلى سيول لاغتيال "هوانج جانج يوب"، وهو أعلى مسؤول كوري شمالي في سيول لتوريط كوريا الجنوبية. هذا التغير في سلوك بيونج يانج مرتبط بتغيرات أساسية حدثت خلال الآونة الأخيرة، أولها أن كيم يونج إيل وابنه الثالث "كيم جونج إين" سيصبحان أكثر ثقة إذا ما أصبحت بلادهما- بحكم الأمر الواقع- نووية، وهما يعتقدان أن حيازة السلاح النووي، ستوسع نطاق جرأتهما على المستويين الاستراتيجي والتكتيكي. ثانياً: التصعيد الكوري الشمالي الجديد يعكس رغبة كيم يونج إيل في تلميع صورة ابنه "إين" البالغ من العمر 26 عاماً، ليبدو قائداً قوياً وحاسماً. وثمة احتمال آخر مفاده أن التصعيد الذي تلا مرض "كيم" من صنع "إين"، ويبدو أن عملية انتقال السلطة في كوريا الشمالية تتم بوتيرة أسرع مما يتوقعه أي شخص خارج البلاد. على صعيد آخر، فإن سوء الإدارة على المدى الطويل والعقوبات الدولية، دفعت اقتصاد كوريا الشمالية إلى حافة الهاوية، والنتيجة أن النظام يحاول صرف انتباه الناس بعيداً عن المشكلات الداخلية ويحاول حشدهم وراء زعيم جديد. الهجوم على السفينة الكورية الجنوبية، يفيد في تمتين قبضة النظام على الجيش الذي شعر بالخزي تجاه أدائه في المواجهات البحرية مع كوريا الجنوبية في نوفمبر 2009. "كوان" يرى أن كلاً من العناد النووي وعملية انتقال السلطة بعد "كيم" والورطة الاقتصادية، عوامل ستواصل التأثير على سلوك بيونج يانج خلال المرحلة المقبلة. وما لم تتلق كوريا الشمالية رداً دولياً منسقاً على ضلوعها في إغراق السفينة الكورية الجنوبية، فإن الأخيرة ستمضي في تصعيدها. "أجندة مشتركة" تحت عنوان "أجندة مشتركة بين جورباتشوف ومدفيديف"، كتب "فلاديمير فرولوف" يوم أمس مقالاً في "ذي موسكو تايمز" الروسية، استنتج خلاله أنه على الرغم من التباينات الواضحة في الظروف السياسية والاقتصادية التي عاشها ميخائيل جورباتشوف وديمتري مدفيديف، فإن هناك أوجه شبه بينهما، خاصة في السياسات والمبادرات التي اتخذها كل منهما. "فرولوف"، رئيس مجموعة LEFF الروسية، وهي شركة علاقات عامة حكومية، يقول إن كليهما حاول تحديث روسيا بعد فترة من التدهور، وواجها واقعاً دفعهما للتحرك من أجل الخروج من الاقتصاد المتعثر الذي ورثاه عن عهود سابقة.كلاهما يتفهم الصلة الوثيقة بين الانفتاح السياسي وحرية الإعلام، والتنمية الاقتصادية بمستويات نوعية، وبناء على ما سبق يتسنى إجراء الإصلاحات وعقد انتخابات تعددية، كتلك التي جرت في النصف الأخير من عقد الثمانينيات، وظهور "ديمقراطية- الفيديو" وحمائية الأحزاب الصغيرة التي طفت الآن على السطح. جورباتشوف ومدفيديف حاولا وضع نهاية لانتهاكات حقوق الإنسان ولفساد الشرطة والوكالات المعنية بتطبيق القانون، من أجل تغيير الأجواء التي تُكرس الخوف وتخنق الإبداع. كلاهما أيضاً يدرك قيمة التعاون والسياسة الخارجية البراجماتية، غير القائمة على الدخول في مواجهة مع الغرب، للحد من عبء الميزانيات الدفاعية، وتسهيل نقل التقنيات الغربية، وجذب الاستثمارات الأجنبية، من أجل توفير ظروف خارجية أفضل تتواءم مع التحديث الداخلي. وكلاهما كرّس نقده للتركة الستالينية كتكتيك من خلاله يوجهان النقد للأنظمة التي كانا ينتميان إليها. جورباتشوف ومدفيديف اعتمدا على دائرة ضيقة من النخبة الروسية المثقفة كقاعدة للدعم السياسي وتعبئة الجماهير. لحسن الحظ يبدو مدفيديف أكثر قدرة من جورباتشوف على التعامل مع الأمور، فلدى روسيا الآن اقتصاد سوق، وأحوالها المالية تحظى بإعجاب صندوق النقد الدولي، ولديها طبقة من رجال الأعمال. وعلى النقيض من جورباتشوف، بمقدور مدفيديف، البقاء في رئاسة روسيا لفترة ثانية. دروس أزمة اليونان يوم الجمعة الماضي، وتحت عنوان "دروس يونانية للاقتصاد العالمي"، أشار "داني رودريك"- أستاذ الاقتصاد السياسي في جامعة هارفارد - إلى أن اليونان استفادت من العملة الأوروبية الموحدة، ومن أسواق المال الأوروبية ومن التجارة الحرة مع أوروبا الموحدة، لكنها لا تمتلك أداة أوتوماتيكية للجوء – كملاذ أخير للمقرضين الأوروبيين- ومواطنيها لا يحصلون على إعانات بطالة من بروكسل بالطريقة نفسها التي يحصل عليها عاطلو كاليفورنيا على مساعدات من واشنطن، كما تحول عوائق اللغة والثقافة دون انتقال عاطلي اليونان إلى دول أوروبية أكثر رخاء. رودريك أشار إلى أن الحكومتين الفرنسية والألمانية، ليس لهما سوى تأثير محدود على سياسات اليونان المالية، ولا تستطيعان منع الحكومة اليونانية من الاقتراض مباشرة من البنك المركزي الأوروبي. صحيح أن ألمانيا وفرنسا قدمتا حزمة قروض لليونان لكن بعد وقت طويل، وبعد تأييد من صندوق النقد الدولي. نجاح خطة إنقاذ اليونان، يظل من الصعب تحقيقه، لأن سياسة التقشف أو "شد الحزام" قد تثير استياء اليونانيين، ما قد يربك الدائنين الدوليين. الأزمة كشفت مدى أهمية الشروط السياسية المسبقة التي تتطلبها العولمة، وإلى أي مدى تحتاج المؤسسات الأوروبية إلى ترسيخ أسس سوق موحدة، وأصبح أمام أوروبا- وبقية دول العالم الأخرى- الاختيار ما بين التكامل السياسي أو تخفيف شروط الوحدة الاقتصادية. قبل الأزمة كانت أوروبا مرشحة للانتقال الناجح إلى وحدة سياسية أكبر، الآن دخل مشروع أوروبا الاقتصادي في ورطة، بينما تفتقر إلى القيادة القادرة على إنعاش التكامل السياسي داخل القارة العجوز. إعداد: طه حسيب