كان من اللافت في الانتخابات البريطانية الأخيرة، أن حجم تأثير التطلعات السياسية والآمال الحزبية غير المتحققة لا يكاد يقل عن تأثير تلك التي وقعت وتحققت بالفعل. فـ"المحافظون" على رغم أنهم فازوا بمعظم الأصوات، إلا أنهم لم يفوزوا بأغلبية واضحة في البرلمان. وحزب "الديمقراطيين الأحرار" الذي حل ثالثاً في الترتيب، كان يأمل هو أيضاً أن يتقدم إلى المركز الثاني على حساب حزب "العمال" الذي فقدت حكومته حظوتها، غير أنه لم يوفق في ذلك. وكما قال خبراء محطات التلفزة البريطانية، فإن النتيجة التي انتهت إليها الانتخابات كانت عكس توقعات كل حزب من الأحزاب الثلاثة، فالحزب الذي كان يأمل أن يحل أولا حل ثانياً (العمال).. والمنافس الآخر الذي كان يأمل هو أيضاً أن يحل أولا تصدر الترتيب بالفعل ولكنه لم يحقق الأغلبية المطلوبة (المحافظون).. والطرف الثالث الذي كان يأمل أن يحل ثانيّاً حل ثالثاً (الديمقراطيون الأحرار)! بمعنى أن تطلعات وتوقعات الأحزاب الثلاثة خابت، أو أن الأحزاب جميعاً قد خسرت تلك الانتخابات، بهذا المعنى. وعلى رغم أن العملية السياسية في أي بلد ينبغي أن تتعلق بالداخل والأمور الداخلية في الأساس، إلا أن الناخبين البريطانيين المتذمرين أرسلوا من خلال تلك الانتخابات رسالة تردد صداها في باقي دول أوروبا كلها، بل وحتى في الولايات المتحدة، مؤداها أن الناخبين لا يتطلعون إلى تغيير ضخم في اللحظة الراهنة، وإنما إلى قادة قادرين على إيجاد مخرج من الأزمة الاقتصادية العميقة، التي يبدو أن تداعيتها لن تنتهي قريباً. ومنذ ثلاثين سنة، عندما فاز "ريجان" بالانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة، وجاء ذلك الفوز في أعقاب فوز تاتشر في بريطانيا، كان من الممكن وقتها الحديث عن صعود موجة من السياسات المحافظة ستكتسح العالم الغربي، وخصوصاً أن ريجان وتاتشر، كانا يتقاسمان ولعاً مشتركاً بتخفيض حجم حكومة الرفاه الليبرالية. ومنذ ثلاث عشرة سنة، عندما نجح حزب "العمال" المُحدّث، بقيادة بلير في الفوز بأغلبية الأصوات في الانتخابات البريطانية منذ الحرب العالمية الثانية، كان بإمكانه هو وكلينتون في أميركا أن يتحدثا بفخر عن "الطريق الثالث" وهو نهج كانا يتقاسمان بصورة عامة الاقتناع به، ويقوم في ديباجاته العريضة على نظرية الحكم من المركز. أما في الوقت الراهن، فمن الواضح أن الحياة السياسية في الولايات المتحدة وأوروبا تفتقد ذلك الاتساق الزمني الذي ميزها في الثمانينيات والتسعينيات. فعندما فاز أوباما بالرئاسة في الولايات المتحدة، وسط حماس شعبي على جانبي الأطلسي، راود الديمقراطيين الاشتراكيين في أوروبا الأمل بأن يكون زمنهم هم أيضاً قد حل، ولكن ذلك لم يحدث حيث لم تعرف أوروبا أي تحول نحو اليسار. وفي الواقع أن حزب "المحافظين"، الذي يتزعم الحكومة الحالية في بريطانيا يكمل الآن حلقة الدول الأربع الكبرى في غرب أوروبا -وهي بريطانيا، وألمانيا، وفرنسا، وإيطاليا- التي أصبح يقودها جميعاً زعماء محافظون للمرة الأولى خلال عقود. ومعنى هذا أيضاً أننا سنكون مستقبلاً على موعد مع أول قمة أميركية- أوروبية، يعد أوباما هو "الديمقراطي" الوحيد فيها وسط مجموعة من القادة "المحافظين". ومع أن أوباما ما زال يتمتع بشعبية شخصية في أوروبا، إلا أن "ظاهرة أوباما" ذاتها، كعلامة سياسية، لم تتمكن من التجذر بنجاح في السياسات الداخلية لأي دولة أوروبية. فالساسة الأوروبيون الذين حاولوا استنساخ نجاحه، فشلوا في ذلك: وقد انطبق هذا مثلا على "والتر فيلتروني" مرشح المعارضة في إيطاليا، الذي كان يكنى بـ"أوباما روما" حيث لم يستطع الصمود أمام برلسكوني المحوط بالشبهات والفضائح! كما ينطبق هذا كذلك على زعيم حزب "الديمقراطيين الأحرار" الكاريزمي "نِك كليج" -في بريطانيا- الذي شبهه كثيرون بأوباما عقب آدائه المبهر في مناظرة تلفزيونية قبل الانتخابات، ولكن لم يستفد حزبه من كاريزميته فحل ثالثاً في الانتخابات بل إنه فقد بعض المقاعد. أما السياسي الأوروبي الوحيد الذي تشبه سياساته سياسات أوباما إلى حد كبير فهو الإسباني "ثاباتيرو" فقد انخفضت شعبيته بشكل واضح، تماماً مثل أوباما نفسه. هل يعني ذلك كله أن المشهد السياسي الغربي يمر الآن بمرحلة تحول إيديولوجي عميق نحو اليمين؟ ليس هذا بالضبط. فساسة أوروبا المحافظون الناجحون وهم ميركل في المانيا، وساركوزي في فرنسا، وبرلسكوني العنيد في إيطاليا، والآن كاميرون في بريطانيا، لا يمثلون محوراً لأية سياسات موحدة. فهم لا يعقدون مؤتمرات لبحث السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي تهم القارة بأسرها، وفي معظم الوقت لا يكادون يتحدثون مع بعضهم بعضاً، بل يقال إن ميركل غاضبة بشدة من مواقف كاميرون المتعالية تجاه أوروبا، كما أن التحالف السطحي الذي كونته هي وساركوزي ليس سوى تحالف فضفاض ذي أهداف براجماتية في المقام الأول، ولا علاقة له بالإيديولوجيا. أما برلسكوني فلا يرغب أحد من هؤلاء القادة أصلاً في أن يُرى معه، أو أن تقترن صورته به في الأذهان. ولعل الشيء الأكثر ارتباطاً باهتمامات الأميركيين هو أن هؤلاء المحافظين الأوروبيين الناجحين، لا يتحدثون برطانة حركات "حفلة الشاي" الأميركية، فكاميرون في بريطانيا مثلاً خاض حملته الانتخابية الأخيرة رافعاً شعار تخفيض حجم الحكومة وليس تخفيض الضرائب، كما اقترح إصلاح النظام الصحي في بلاده من خلال جلب المزيد من المنافسة من الخارج بالتعاقد مع مزودين خارجيين للخدمات الصحية، وليس من خلال تفكيك النظام الحالي المعروف بـ"نظام الدافع الوحيد" أو جهة الدفع الوحيدة. كما أنه رجل من أنصار حماية البيئة وهو ما يعني أنه بالمصطلحات الأميركية "محافظ متعاطف"، أي لو فرضنا أنه كان "جمهوريّاً"، بالمعايير الحزبية الأميركية، فإنه سيصنف أقرب لمواقف "مت رومني" مثلاً أكثر منه لمواقف "سارة بالين". إن المشكلات التي يواجهها هؤلاء الساسة الغربيون جميعاً، بما فيهم أوباما، هي عبارة عن أزمة اقتصادية قصيرة الأمد تتشابك مع أزمة مالية طويلة الأمد. فهم جميعاً يواجهون فواتير متزايدة القيمة للرعاية الصحية والمعاشات (الضمان الاجتماعي في حالتنا الأميركية) في ذات الوقت الذي يتسبب فيه الركود العالمي في تخفيض حصيلة حكوماتهم من الضرائب. ولذا يواجهون جميعاً تحدي تقليص الميزانيات في وقت يتزايد فيه الطلب على الخدمات الحكومية. وفي الأوقات الاقتصادية الباعثة على الخوف، يتشوق الناخبون عادة للأمان وليس إلى الجسارة والمغامرة.. وهذا هو السبب في النجاح الذي يحققه جميع هؤلاء المحافظين الحريصين في أوروبا، وهو أيضاً سبب الشعبية المتآكلة لاقتراحات أوباما شديدة الطموح (وباهظة التكلفة في آن) في أميركا. ومن هذا المنظور، على الأقل، يمكن القول إن اللحظة الحالية ليست لحظة محافظين ليس فقط في أوروبا وإنما على جانبي الأطلسي على حد سواء. ------ كاتب ومحلل سياسي أميركي ينشر بترتيب خاص مع خدمة "إم. سي. تي. إنترناشيونال" ------