عندما انتقل المفكر العربي الكبير محمد عابد الجابري إلى رحاب ربه كنتُ على سفر لم أتمكن معه من أن أكتب في وقت مناسب كلمات لن تضيف إلى قدره ومكانته بكل تأكيد، لكنها تبقى ضرورة عرفان للرجل الذي جسد عطاء المفكر لأمته كأعظم ما يكون التجسيد. لم يكن تخصصي يسمح لي بأن أكون تلميذاً دائماً لكل ما يكتبه، لكنني كغيري ممن يهتمون بحاضر هذه الأمة ومستقبلها كنتُ أتابع بكل الإعجاب والاحترام والانبهار خطاه الثابتة التي كان مشروعه الفكري يتجلى معها خطوة بعد خطوة. كان للرجل مخالفوه في الرأي بكل تأكيد، لكن أحداً لم يختلف لحظة على أنه احتل مكانته عاليّاً ضمن هذه الكوكبة قليلة العدد عظيمة التأثير من حملة مشاعل الفكر والتنوير التي أضاءت للأمة دروباً كثيرة، وما زالت قادرة على العطاء حتى يومنا هذا وسيبقى كذلك إلى يوم الدين. مع ذلك فقد ارتبطت بالرجل بعلاقة منتظمة تتباعد حلقاتها حيناً وتتقارب حيناً آخر، ولكنها كانت تسمح لي في كل الأحيان بأن أتابعه كإنسان عادي وإن حمل على كاهله عبء مشروعه الفكري العظيم، وربما كان النشاط الفكري لـ"مركز دراسات الوحدة العربية" هو الإطار الأساسي الذي كنتُ ألتقي في داخله بهذا المفكر العملاق، وأرى تجسيداً حيّاً للكيفية التي يشرح بها أفكاره ويدافع عنها، ومؤخراً مثل منتدى "الاتحاد" السنوي مناسبة أخرى للقاء شبه منتظم مع الراحل الكريم. ليس في مقدوري، خاصة وقد قرأت كثيراً مما كتبه مريدوه وتلامذته عنه بعد رحيله، أن أكتب عن القيمة الفكرية للرجل أو أهمية مشروعه الفكري، لكن الاقتراب منه من حين لآخر وإن على نحو غير مباشر مكنني دون شك من أن أقترب منه كإنسان، وأحسب أن قيمته الإنسانية مدخل أساسي لفهم عظمته الفكرية. لم يكن صاحبنا أولاً يكتب أو يتحدث بلغة لا يفهمها القارئ أو المستمع العربي العادي الذي يتطلع إلى معرفة حقيقية يقيم البعض بينه وبينها سدوداً أو جدراناً بسبب ما يستخدمونه من لغة بالغة التعقيد لا تتيح إلا لسواهم وعلى أحسن الفروض لمن سار سيرهم أن يفهموا ما يكتبون، فإن تحدث هؤلاء زادوا الطين بلة، وتعمقت الحواجز بينهم وبين جمهورهم الطبيعي الذي يفترض أن يحمل أفكارهم إلى الواقع وإلى الناس. كنتُ تستمع إلى الجابري وهو يتحدث عما يفترض أنه أعقد الأفكار فيخيل إليك أنه يقوم بشرح مسألة حسابية بسيطة لطلاب صغار لا يتطلب الأمر منهم لفهمها سوى أن ينصتوا، ولأنني قد استمتعت إليه عادة وهو يتحدث في ندوات عامة أو يلقي محاضرات هنا أو هناك فإنني لا أستطيع أن أجزم أن هذا هو أسلوبه نفسه مع طلبته المتخصصين، غير أن هذا يعني في كل الأحوال أنه قادر على أن يتحدث إلى جمهوره بلغة يفهمها، وهذه ميزة لا يدركها الكافة، فثمة من يملك أفكاراً عظيمة لكنه لا يستطيع أن يوصلها إلى جمهوره، وثمة من تكون أفكاره عادية يسهل عليه شرحها للناس، لكن الجابري كان يجمع الحسنين بكل تأكيد، ومن هنا كانت "شعبيته" -إذا جاز التعبير- في أوساط المثقفين العرب العاديين. يتصل بما سبق أنني كنتُ أشعر دائماً بالزهو عندما أتابع التقارير السنوية لنشاط "مركز دراسات الوحدة العربية" الذي مثل أهم نافذة للراحل العظيم على القارئ العربي فأجد أن كتبه كانت عادة هي الكتب الأكثر مبيعاً، وكنت أجد في هذا شهادة للجابري وللمثقف العربي في الوقت نفسه. أما الجابري فلأنه يحظى بكل هذا الانتشار على رغم العمق اللافت الذي يتميز به مشروعه الفكري، وأما المثقف العربي فلأن إقباله على هذا النحو على كتب الجابري يعني أنه ما زال قادراً على أن يميز بين الغث والثمين، متطلعاً إلى معرفة حقة بعيداً عن القشور التي يقدمها آخرون. أذكر في هذا السياق أيضاً في نهاية تسعينيات القرن الماضي حينما دعوته لإلقاء محاضرة عامة في "معهد البحوث والدراسات العربية" بالقاهرة الذي يتميز بأنه يضم مجموعة شديدة التنوع من طلاب الدراسات العليا المنتمين إلى شتى الأقطار العربية وإن جمعتهم الرابطة والثقافة العربيتان، أذكر أنني كنتُ متوجساً من تواضع أرقام الحاضرين، إذ يعرف كل من يشتغل بهذه الأنشطة ذات الطابع الفكري أن حضورها قد يقتصر في النهاية على مجموعة محدودة من المهتمين بما يضفي جوّاً من الإحباط على المحاضر ومنظمي اللقاء معاً، وأذكر في هذا السياق أن د. إسماعيل سراج الدين مدير مكتبة الإسكندرية كان يشكو من أن المكتبة دعت عدداً من العلماء الحاصلين على جوائز نوبل لإلقاء محاضرات فكان عدد الحاضرين لا يتجاوز أصابع اليدين. غير أن هاجسي هذا تبدد قبل أن تبدأ المحاضرة بوقت كافٍ إذ كان المدرج قد امتلأ تقريباً بالحاضرين وجلهم من دارسي المعهد، وعندما بدأت المحاضرة كان المدرج الذي يتسع بالكاد لمئة وخمسين فرداً قد اكتظ على نحو لم يحدث لاحقاً إلا بعد حوالي عقدين من الزمان عندما نوقشت الرسالة التي تقدم بها المناضل الفلسطيني مروان البرغوثي للحصول على درجة الدكتوراه من قسم البحوث والدراسات السياسية بالمعهد. كان أولئك الذين أقبلوا على محاضرة الجابري يتلاصقون جلوساً، ويتراصّون في الخلف، ويفترشون المسافات بين مقاعد المدرج، ويجلسون أمامه على الأرض، ويقفون على بابي المدرج اللذين بقيا مفتوحين طيلة المحاضرة، ويطلون من نوافذه حتى خلت يومها أن المدرج يستوعب ثلاثة أمثال طاقته العادية. وعلى رغم الجو الذي بدا خانقاً بلغة "التنفس" فقد ارتسمت علامات الرضا على وجه الرجل وانطلق في سلاسة يدلي بمحاضرته، وبلغت سعادته قمتها عندما وجد نفراً من الشباب صغير السن من طلبة الدراسات العليا بالمعهد يحاورونه في بعض من أعمق أفكاره وأكثرها تعقيداً، وأخذ يعقب على مداخلاتهم بكل سعادة وقبول الرأي الآخر، وهذا ينقلني إلى سمة أخرى من سماته. بدا الجابري دائماً شديد الانفتاح على نقد أفكاره، وفي تلك المحاضرة التي صارت جزءاً من تاريخ "معهد البحوث والدراسات العربية" حاوره شباب لا تجوز أصلاً مقارنتهم به في بعض ما قال، وانتقدوا بعضاً آخر، فأخذ الرجل يعلق ويوضح، ولا يغلق الباب على الاجتهاد بادعاء أن رأيه هو الصواب ورأي غيره هو الخطأ مع أن غيره هذا قد يعتبره مفكرون آخرون بهامة الجابري نسياً منسيّاً. وأذكر كذلك أنه في منتدى "الاتحاد" قبل الأخير قد تطرق في بحثه إلى بعض مما اهتم به فأبديت عليه عدداً من الملاحظات الناقدة فإذا بالرجل يقول إن أفكاره التي ذكرها ليست سوى اقتراحات قابلة للتحقق منها من عدمه، وأنه يوافقني على ما قلت. رحل الجابري شامخاً عزيزاً، لكنه سيبقى دائم الحضور بيننا بعطائه الفكري الخلاق، وليكن رحيله مناسبة تدفعنا إلى إعادة قراءة مشروعه الفكري وطرحه للنقاش الموضوعي والبناء عليه من أجل مستقبل هذه الأمة التي كرس نفسه من أجلها، ولعلي أتمنى على منظمي "منتدى الاتحاد" السنوي إن لم يكونوا قد اختاروا موضوعاً للمنتدى القادم أن يكون المشروع الفكري للجابري هو هذا الموضوع، فإن كانوا قد سبقوا بالاختيار ليس أقل من أن يخصص جزء من أعمال المنتدى للرجل وعطائه الذي أضاء "وجهات نظر" على مر الأعوام.