في القاهرة حيث كنت الأسبوع المنصرم، قد شاركت في المؤتمر العلمي العام الذي نظمته رابطة خريجي الأزهر حول "الإمام الأشعري: إمام أهل السنة والجماعة". التأم المؤتمر الحاشد بإشراف شيخ الأزهر الجديد الدكتور أحمد الطيب، وبحضور عشرات العلماء والباحثين العرب والأجانب من المهتمين بفكر وعقيدة الأشعري. وقد عكس المؤتمر جانباً أساسياً من اهتمام وشخصية شيخ الأزهر الجديد، الذي لا يخفي حرصه الجلي على الدفاع عن صورة ودور المؤسسة السُنية الأولى في الذب عن العقيدة الأشعرية، من حيث هي مرتكز الهوية السُنية، وعماد التقليد الإسلامي الأساسي الذي ينتمي إليه غالبية أهل الملة. ولا يخفى أن المؤتمر، وإنْ كانت مقوماته العلمية بارزة، إلا أن خلفياته الأخرى تستدعي وقفة تحليل. فمن البين، أنه انعقد في ظرفية تتسم بتحولين كبيرين، نشير إليهما باقتضاب: أولهما: تنامي الاختراق الشيعي المتزايد للمجال السُنّي، الذي وصل مداه في بلدان غرب أفريقيا المسلمة التي كانت بكاملها تتبع المذهب المالكي السُنّي. بيد أن الاختراق لوحظ أيضاً في مصر وبقية بلدان شمال أفريقيا. ويتعلق الأمر في الغالب بنمط من التشيع الإيديولوجي – العقدي المرتبط بمراكز التوجيه الإيرانية وبتأثير "حزب الله " اللبناني الرافع لشعار المقاومة ضد إسرائيل والصهيونية. ثانيهما: تنامي التأثير السلفي في الأوساط السُنية، بما فيها الأزهر نفسه. فالمعروف أن الاتجاه السلفي بدلالته الضيقة شكل دوماً تياراً محدوداً بل هامشيا في التقليد السُني الذي تمحور تاريخياً حول أصول الشافعي وعقيدة الأشعري. بيد أن عوامل ثلاثة متمايزة من حيث الخلفيات والرهانات غيرت جزئياً هذه المعادلة: قيام الدعوة الإصلاحية الوهابية التي تولدت عنها مؤسسة علمية وتربوية واسعة التأثير استقطبت جموعاً غفيرة من الطلاب والمدرسين نقلت إليهم المذهب السلفي التقليدي في العقيدة، قيام حركات الإسلام السياسي التي تنكرت للمنظومة العقدية السُنية واستبدلتها بنسق تصوري مغاير، خالطه في بعض السياقات التأثير السلفي، بروز الحركات السلفية المقاتلة التي استقطبت أعداداً هائلة من الشباب السُني. ومع أن هذه العوامل لم تطف للسطح خلال مؤتمر القاهرة، إلا أنها كانت كثيفة الحضور ضمنياً، جلية التأثير في لقاءات الأزهر. تنوعت المواقف في المؤتمر من المسألة الأشعرية راهناً إلى اتجاهين بارزين: ذهب أحدهما إلى أن الأشعرية هي قاعدة أهل السُنة والجماعة ودائرة الانتماء الجامع بين أهل هذه الطائفة الرئيسية في الأمة، ومن ثم لا محيد عنها، ولا بد من التقيد بها وإعادة الاعتبار لها في مواجهة الاختراق الشيعي والتأثير السلفي. فكل ضعف أو تراجع في العقيدة الأشعرية هو في حقيقته ضعف وتراجع للسُنة. أما الاتجاه الثاني، فقد ذهب إلى أن الأشعرية شكلت لحظة مهمة ومحورية في مسار التقليد السُني، بيد أنها ارتبطت بمناخ فكري وتاريخي محدد تغيرت معالمه وسماته، ولذا لم يعد من الممكن إحياؤها بعد أن انهارت في مقوماتها النظرية والمنهجية، ولم تعد تلائم حقائق ومعطيات اللحظة الراهنة. من هذا المنظور ذهب البعض إلى ضرورة بناء منظومة عقدية جديدة بالتسلح بأدوات ومفاهيم العلوم الإنسانية المعاصرة، وذهب البعض الآخر إلى الدعوة لتوحيد روافد ومكونات المجال السُني، من خلال المصالحة بين التيارين الأشعري والسلفي، ورأى البعض الآخر ضرورة التركيز على وحدة الأمة بتجاوز اختلافاتها العقدية والطائفية تجسيداً لخيار "التقريب بين المذاهب"، الذي بلورته مشيخة الأزهر في بدايات القرن الماضي. بدا لي في مداخلتي بالمؤتمر أن الميزة الكبرى للأشعرية (في محطتها التأسيسية على الأقل قبل الاختلاط بالفلسفة اليونانية)، تمثلت في أنها نبذت كل محاولة لبناء لاهوت إيجابي، أي وضع نسق عقدي يقنن المعتقدات التفصيلية في وعي المؤمن. فعندما ظهر مشروع الأشعري،كانت الخريطة العقدية في الإسلام تتوزع إلى مكونات أربعة أساسية: الطائفة الشيعية التي تميزت بالربط العضوي بين الانتماء العقدي والإمامة (الانخراط في السلطة السياسية والتأويلية للوصي الوارث للنبي)، الخوارج الذين ربطوا عضوياً بين العقيدة والعمل (مما أفضى إلى التكفير بالعمل)، المعتزلة الذين انتهوا في نظريتهم للصفات ونظريتهم في الأخلاق إلى تعطيل مبدأ الألوهية في حياة الناس، المجسمة والمشبهة الذين أرادوا بناء لاهوت إيجابي بالاعتماد على ظواهر الآيات والأحاديث النبوية. تمحور مشروع الأشعري حول هدفين أساسيين هما: - توسيع دائرة الانتماء للأمة برفض التكفير في الفروع وبالتأويل والعمل، فأهل القبلة هم المصلون، على اختلافهم في النظر والمذاهب وجزئيات العقيدة. - صياغة إطار منهجي مكتمل لدائرة أهل السُنة والجماعة التي برزت أشكالها الجنينية مع المحدثين وفقهاء الأمصار، وتمحورت حول مقاومة الإمام أحمد بن حنبل للحلف الاعتزالي – العباسي لتقنين النسق العقدي الإسلامي بالقوة (فتنة خلق القرآن). من هذا المنظور بلور الأشعري كما بدا لي الكوابح الضرورية دون تشكل لاهوت إسلامي على غرار اللاهوت المسيحي، واضعاً ما يمكنه تسميته بالعقيدة الدنيا المشتركة بين أهل الأمة (دون تشبيه مخل بالوحدانية ولا تعطيل مخل بالإرادة الإلهية المطلقة). تبدو هذه الحقيقة جلية في نظرياته الكلامية في الطبيعة والمعرفة وفي الإلهيات والأخلاق. فالكلام الذي حث عليه الأشعري وكتب في "استحسان الخوض فيه" ليس اللاهوت الذي لا سبيل إليه (ما دامت الصفات الإلهية غير قابلة للتجسد في أجسام مادية أو إنسانية ولا يجوز نفيها بالتأويل العقلي). الكلام هنا هو مجرد فاعلية حجاجية تؤدي دورين متلازمين:الدفاع عن الدين في مواجهة العقائد والملل الأخرى، والتحاور المفتوح بين طوائف الأمة دون تكفير أو إقصاء. في هذا الأفق، تبدو الروح الأشعرية حاجة حيوية راهنة لتقويض محاولات بناء ميتافيزيقيات إسلامية ولو من منطلقات حداثية مموهة (علم الكلام الجديد) ولتوطيد سبل التواصل والحوار بين أهل الملة الواحدة في مواجهة التيارات التكفيرية المتشددة التي حملت السلاح وخرجت على الدولة والمجتمع.