بماذا يتميز مجتمع عن غيره؟ بالإنسان الذي يعد محك الحياة الأول والأهم، فكلما تنفس الإنسان بحرية، كلما كان له فضل التميز والانطلاق نحو فكر صاف وعلم راق، وبالتالي منجز حضاري. في منتدى الإعلام العربي الذي جرت فعالياته في دبي مؤخراً، كانت كلمة أحمد زويل- وهو الحائز على جائزة "نوبل" في العلوم- مختصرة وباعثة على التأمل، حيث قال إن الحرية هي الحق الإلهي الذي مُنح للإنسان، وهي فرصة الحياة الحقيقية. فالحرية بمعناها الجميل هي أن تطلق عنان فكرك ومخيلتك، وأن تحدد كل منطلقاتك. حرية التعليم هي الحرية الأولى في سلم الحياة، فالطفل له أن يتعلم تعليماً يحترم إنسانيته، ولديه أيضاً حق في المعرفة. وانتشار المدارس لا يعني أبداً أن العلم قد وصل للجميع، فالغث سائد والجودة تحولت إلى ابتزاز كأن التعليم مشروع تجاري، وصار التعليم الحكومي مفرغاً من جودته لأنه ببساطة فقد الحراك المنشود الذي يؤهله لتحقيق الأهداف التي يرجو المجتمع تحقيقها. وربما حصلت العديد -إن لم تكن كل الدول النامية- على استقلالها من استعمار ظالم، إلا أن بعضها ظل رهينة لسياسات تهدف في بعض الأحيان إلى بقاء الوضع على ما هو عليه مخافة التغيير الذي قد يفقد به البعض مكتسبه المادي. فأول المنجزات المدعاة للتباهي هي منجز احترام الإنسان وحريته في القول، وفي إطلاعه على ما يحدث في بلاده بشفافية وصدق، وفي إعلام يزهو بأنه مرآة صادقة للمجتمع وليس أداة ترويج لأخبار دعائية. مشكلات الدول النامية تدور بذات الحلقات وذات الهموم، وكأن مرور الزمان والقفزات التكنولوجية لم تضف أي تغيير على الأسلوب النمطي في معالجة المعاناة الاجتماعية، لدى كثير من شعوب تلك الدول. وربما حدث تراجع كبير في مكتسبات الإنسان، فقد تحول الهاجس الأمني لغة ضاغطة، دون النظر إلى حقوق الناس. فعندما يجزم زويل من تجربته الحياتية بأن الحرية سبب رئيسي في الإنجازات العلمية الغربية، فإنه يضع يده على جرح ينزف منذ عقود، فالغرب اليوم يزهو بحضارته العلمية -وهو زهو مستحق- يخشى من حريتنا نحن.. ويخاف من كوننا إذا وصلنا إلى منطلقات الحرية الإنسانية الصرفة أن تنفي مصالحه الاقتصادية بالضرورة. وبعيداً عن نظرية المؤامرة، فالحرية المسروقة من بعض الدول النامية، هي بفعل فاعل من داخلها قبل أن تكيل شعوبها الاتهامات للآخرين الأغراب. ويخطئ البعض من أصحاب الأفكار السلبية تجاه الآخرين، بأن الحرية هي محور أساسي للانسلاخ من القيم والفكر المتزن. ولعل تجربة زويل وغيره من المهاجرين الذين احتضنتهم أنظمة حرة ومقدرة للإنسان ومواهبه تدل على أن الحرية هناك أولاً تقوم على احترام العقل الإنساني وتقدير إنجازاته. وكم يبدو المشوار شاقاً في الدعوة للطيور المهاجرة بالعودة لضفاف الأوطان.. فما زالت الضفاف مقفرة. وما زال هناك قلق عظيم من إنسان تعلم أن يفكر بحرية ويعرف تمام المعرفة أنه ولد حراً وعاش حراً وعليه أن يموت حراً، لا ضير أين، لكن المهم أن يجد حريته المحترمة والمقدرة حتى في أدق تفاصيل الحياة.