لم تعلن رسمياً لجنة الانتخابات الفلبينية، وحتى وقت كتابة هذه السطور، فوز أي من المتنافسين في الاقتراع الرئاسي المنظم يوم الاثنين الماضي، لكن النتائج شبه النهائية للاقتراع تؤكد فوز السيناتور "بينينو أكينو"، إذ يتقدم بحوالي خمسة ملايين صوت على أقرب منافس يليه، وهو الرئيس السابق سترادا، بعد فرز 88 في المئة من الأصوات. وسيتولى أكينو رئاسة الفلبين في ولاية مدتها خمس سنوات، خلفاً للرئيسة الحالية جلوريا أورويو. وهي نتيجة توقعها المراقبون لهذه الانتخابات التي خلت تقريباً من العنف، وفتح فيها أكثر من 80 مركز اقتراع أمام 50 مليون ناخب مسجل. وكانت استطلاعات الرأي قد أبرزت أن أكينو يتقدم فيها على منافسيه بنسبة 40 في المئة، مع العلم أن رئيس الفلبين ينتخب بالأغلبية البسيطة في دورة انتخابية واحدة. وسيتعين على أكينو التصدي لتركة ضخمة من المشكلات والمصاعب، والوفاء بالوعود الإصلاحية التي جعلها عنواناً لبرنامجه الانتخابي... فهل يملك الشروط والإمكانيات اللازمة لذلك؟ لننظر في تفاصيل سيرة الرجل وفي سجلات تاريخه في العمل العام أولا! لا تزيد خبرة أكينو في العمل السياسي العام عن 11 عاماً أمضاها في البرلمان، وقد بذل جهداً كبيراً خلال حملته الانتخابية لاستثمار تاريخ عائلته وتحويل مشاعر الاحترام لوالديه إلى أصوات انتخابية لصالحه. فهو متحدر من والدين يعتبران من أبطال الديمقراطية وقد عملا على إعادتها إلى البلاد في ثمانينيات القرن الماضي. فوالده السيناتور الراحل "بنينيو أكينو" (يحملان معاً نفس الاسم) الذي ناضل ضد ديكتاتورية فرديناند ماركوس قبل أن يُقتل في مطار مانيلا عام 1983 لدى عودته من المنفي لمحاربة النظام. لكن اغتياله أشعل ثورة شعبية قادتها أرملته كورازون أكينو التي استطاعت أن تسقط ماركوس وأن تقود البلاد خمس سنوات. وعن أكينو الابن، فهو مولود عام 1960 في مقاطعة "تارلاك" عندما كان والده نائب محافظها، وكان الثالث والابن الوحيد بين خمسة أطفال لوالديه. وبعد تخرجه من جامعة "أتينيودي مانيلا" بشهادة في الاقتصاد عام 1981 التحق بعائلته في المنفى ببوسطن. وبعد فترة قصيرة على اغتيال والده، عاد إلى البلاد ليشغل أول منصب عام في حياته، حيث أصبح عضواً في "هيئة الأعمال الفلبينية"، ثم تولى في عام 1986 رئاسة شركة التأمين التي تملكها عائلته. وخلال حكم والدته لم يكن له ظهور عام يذكر، لكن في منتصف العام الثاني لرئاستها قام جنود متمردون بمحاولة انقلاب فاشلة عندما كان أكينو الابن على مقربة من القصر الرئاسي، فقتل ثلاثة من مرافقيه، بينما أصيب هو بجروح متوسطة، وتعرضت والدته لخمس رصاصات استقرت إحداها في العنق. وبعد خمسة أعوام شهدت محاولات انقلابية متكررة، غادرت كورازون الرئاسة، ليتفرغ أكينو الابن لمزرعة قصب السكر المملوكة لعائلته في "تارلاك". ولم يدخل المجال العام إلا في سنة 1998 عندما انتخب على قوائم "الحزب الليبرالي" -وكان قد أسسه والده ثم قادته والدته- لعضوية مجلس النواب ممثلا عن المنطقة الثانية في مقاطعة "تارلاك". وأُعيد انتخابه في عام 2001 ثم في عام 2004. وخلال عمله النيابي، ترأس أكينو بعض اللجان البرلمانية المتخصصة، وأصبح في نوفمبر 2004 نائباً لرئيس المجلس. ثم انتخب في مايو 2007 عضواً بمجلس الشيوخ عن مقاطعة "تارلاك"، وشارك في جهود المعارضة لإحباط محاولات الرئيسة جلوريا تعديل الدستور لتمكينها من الترشح لولاية رئاسية ثالثة. ولم يكن "بينينو أكينو" يهيئ نفسه للسباق الرئاسي في يوم من الأيام، لكن بعد وفاة والدته في نهاية يوليو 2009، حيث حضر مئات الآلاف جنازتها في أكبر حشد تعرفه الفلبين منذ "ثورة سلطة الشعب" التي أوصلتها إلى الحكم عام 1986... بدأت الدعوات تطالبه بالترشح. وفي التاسع من سبتمبر الماضي، أي بعد 40 يوماً على وفاة كورازون، أعلن أكينو رسمياً ترشحه لانتخابات الرئاسة، خلال مؤتمر صحفي عقده في إحدى قاعات "نادي الفلبينيين" في غرينهليز، وهي القاعة ذاتها التي كانت كورازون قد أعلنت منها تولي رئاسة الفلبين قبل 23 عاماً، فقال: "أقبل طلب الأمة، كما أستمع إلى توجيهات والدي... أقبل مواصلة المعركة من أجل البلاد". والتفت قوى حزبية معارضة عديدة حول أكينو، على رأسها "الحزب الليبرالي" الذي شغل نائب أمينه العام لبعض الوقت. كما دعمته الكنائس البروتستانتية بملايين الأصوات، رغم أنه كاثوليكي المذهب، إضافة إلى تحالفات رجال الأعمال، وكبريات الهيئات النقابية. وقد استفاد السيناتور الخمسيني الأعزب من التضاؤل الحاد في شعبية جلوريا واتساع المعارضة لسياساتها في الشارع الفلبيني، حيث قدم نفسه كبديل إصلاحي لفساد السلطة القائمة. وقد شهدت قيمة الأسهم المحلية وسعر العملة الفلبينية (البيزو) ارتفاعاً ملحوظاً مع تقدم أكينو في الانتخابات، لكن الرئيس الفائز سيواجه مهمة صعبة إذا ما أراد تحقيق وعوده بالإصلاح الاقتصادي. فعلاوة على انتشار الفقر حيث يعيش حوالي ثلث السكان بأقل من دولار في اليوم، فإن العجز في الميزانية، والبالغ نحو 6.7 مليار دولار، أي ما نسبته 4 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، يثير تشاؤم المراقبين، وفي بلد كبير ومتنوع (قوميات وأعراق وآلاف الجزر)، لايزال يعتمد اقتصاده على الزراعة والسياحة والمعونات الأجنبية. وإلى جانب خفض العجز في الميزانية، وتحسين الأوضاع المالية، فإن أكينو مطالب أيضاً بتنفيذ تعهده فيما يتعلق بالتحقيق في ملفات الكسب غير المشروع، وتزوير الانتخابات، وانتهاكات حقوق الإنسان... خلال عهد جلوريا. لكن الأخيرة، وهي أستاذته سابقاً في الجامعة، فازت بعضوية مجلس الشيوخ في انتخابات الاثنين الماضي، حيث يتوقع أن تترأس المجلس ومن ثم قد تقوم بعرقلة التحقيقات. وإذا كانت المواجهة مع جلوريا متوقعة في المرحلة القادمة، فإن مواجهة إرثها هي المعركة الأصعب في قابل أيام أكينو. ولن يكون إرث الوالدين كافياً، لاسيما في ظل افتقار أكينو إلى الخبرة والكاريزما اللازمتين، وارتهانه لـ"ديون" المؤيدين وأصحاب المصالح الذين خاضوا الحملة إلى جانبه. فكيف يحسم خياره بين ضرورات ومواريث والتزامات متضاربة؟ محمد ولد المنى