شهدت العقود القليلة الماضية تزايداً مطرداً في أهمية الدور الذي أصبحت تضطلع به الممرضة ضمن عمل الفريق الطبي إلى درجة أصبحت معها الممرضات هن الركيزة الأساسية التي تعتمد عليها نظم الرعاية الصحية الحديثة. وهذا الواقع الطبي الحديث نسبيّاً مرده إلى سببين؛ الأول هو التطور الواضح في المهارات الإكلينيكية للممرضة الحديثة، مما أتاح لها القيام بالمزيد من المهام التي كان يقتصر أداؤها سابقاً على الأطباء، أما السبب الثاني فهو الاتجاه المتصاعد نحو تقليل نفقات الرعاية الصحية، من خلال إيكال المزيد من الأعمال الروتينية التي كان يقوم بها الطبيب إلى بقية أفراد الطاقم الطبي، وخصوصاً الممرضات. ولكن على رغم فعالية هذا الاتجاه، ونجاحه في توفير رعاية أفضل للمرضى بنفقات أقل، إلا أنه أصبح مؤخراً يصطدم بعائق منيع، يهدد نظم الرعاية الصحية حول العالم، وهو عائق نقص أو شح الممرضات والممرضين. ففي جميع دول العالم دون استثناء، الغني منها والفقير، الشرقي والغربي، لا يوجد ما يكفي من الممرضات. والفارق الوحيد بين الدول في هذا الواقع العالمي المؤسف، هو أن الدول الغنية يمكنها سد احتياجاتها من الممرضات نسبيّاً، من خلال استقطاب -أو استنزاف في رأي البعض- الممرضات من الدول الفقيرة، التي لا تستطيع نظم الرعاية الصحية فيها منافسة قريناتها في الدول الغنية، على صعيد الأجور، أو التدريب والتطوير المهني، أو نمط الحياة نفسها في دولة غنية، بما تحمله من وعود في المستقبل، مثل الجنسية، أو ما توفره مظلة الضمان الاجتماعي فيها من مزايا، مثل العلاج والتعليم المجاني للأبناء، وإعانات البطالة، وأخيراً التقاعد في ظروف مادية مريحة. وهذا ما يؤدي على سبيل المثال، إلى هجرة عشرات الآلاف من الممرضات الهنديات مثلاً للعمل في دول الخليج، وأستراليا، والدول الأوروبية، والولايات المتحدة، على رغم أن الدراسات والإحصائيات تشير إلى أن الهند تواجه عجزاً في عدد الممرضات، يزيد عن مليوني ممرضة، وهو ما يؤثر سلبا بشكل حاد على أداء وفعالية جميع مكونات الرعاية الصحية في ثاني أكبر بلد في العالم، من ناحية تعداد السكان. وهذا السيناريو لا يقتصر على الهند وحدها، بل يشمل تقريباً معظم الدول النامية التي تتحدث ممرضاتها اللغة الإنجليزية، مثل جمايكا ودول الكاريبي، التي تفقد سنويّاً أكثر من 20 في المئة من ممرضاتها المتخصصات للعمل في دول غنية، وخصوصاً في بريطانيا. وحتى بعض الدول المتقدمة أو متوسطة الدخل نسبيّاً، كجنوب أفريقيا مثلا، أصبحت هي الأخرى تخسر عدداً لا يستهان به من الممرضات، نتيجة استقطابهن بشكل مستمر للعمل في الولايات المتحدة، وأستراليا، وبريطانيا. وسبب المشكلة في الدول التي تعاني من شح الممرضات، وخصوصاً الدول الفقيرة، يكمن في عجز النظم الصحية في تلك الدول أساساً عن التعامل مع أوبئة الأمراض التي تنتقل عن طريق الحشرات مثلا، أو أوبئة الأمراض المعدية. ففي تلك الدول يعجز النظام الصحي برمته عن متابعة التزام المريض بجرعات الدواء، ويتم تجاهل تثقيف المريض ورفع وعيه بالنسبة لطرق العدوى وسبل الوقاية، ويتباطأ بوجه عام توفير العلاج بحد ذاته، أو الكشف المبكر عن حالات العدوى الجديدة، وهو ما يهدد دائماً بتحول الأوبئة المحلية إلى أوبئة إقليمية، أو دولية في النهاية. فالتعامل مع الأمراض المعدية، غالباً ما يتم من خلال الرعاية الصحية الأولية التي تشكل الممرضة عمادها ومحورها الرئيسي. وفي ظل العولمة، وبالتحديد عولمة الأمراض، لا يمكن أن نتظاهر بأن النقص الحاد في الممرضات في الدول الفقيرة، واستمرار استنزاف النزر القليل المتوفر منهن من قبل الدول الغنية، يعتبر مشكلة محلية تهم فقط الهند ودول الكاريبي أو غيرها من الدول النامية. ففشل نظم الرعاية الصحية في تلك الدول وانهيارها بسبب نقص الممرضات، لابد أن يؤدي إلى وصول أوبئة الأمراض المعدية إلى شواطئ دول العالم الأخرى. ومثل هذا السيناريو ليس استشرافاً للمستقبل، بل هو واقع حدث بالفعل وبدرجة تهدد استقرار الأمن الصحي العالمي. فمنذ وقت ليس بالبعيد، كانت بعض الأمراض معدية، محصورة ومقصورة على بعض الدول، مثل السل المقاوم للعقاقير، وطفيلي الملاريا، وفيروس غرب النيل، وفيروسات السارس وإنفلونزا الطيور والخنازير. ولكن مؤخراً تسبب عجز نظم الرعاية الصحية المحلية في تلك الدول عن التعامل مع هذه الأمراض بفعالية وكفاءة، في تحولها إلى أوبئة شملت العديد من دول العالم، وأحياناً حتى غالبية دول العالم. ولذا نجد أن من المفارقة المأساوية أن الدول الغنية في سعيها لدعم نظم الرعاية الصحية الخاصة بها، من خلال استنزاف ممرضات العالم الثالث والفقير، بما تمنحه من أجور مرتفعة وجنسيات وغيرها من المزايا، تقوض في الحقيقة الأمن الصحي لشعوبها، من خلال تقويضها لنظم الرعاية الصحية في دول غالباً ما ستكون هي المصدر الأول لأوبئة عالمية من أمراض معدية خطيرة، وهو ما يجعل من الأفضل على المدى الطويل، أن تبحث حكومات تلك الدول عن ممرضات وممرضين بين أفراد شعوبها، وأن تساعد في الوقت ذاته الدول الفقيرة على سد النقص الحاد لديها من الممرضات، بهدف بناء خط أول من الدفاع ضد أوبئة الأمراض المعدية، بعيداً عن شواطئها، بدلا من أن تضطر لاحقاً لمكافحة هذه الأمراض على أراضيها.